كافة المنشورات · آراء و مقالات

واقع المستشفيات الميدانية في الغوطة الشرقية .. أحمد أبو الخير

 

ارتبط اسم غوطة دمشق بالخضار وجمال الطبيعة وخصوبة التربة، فهي من أخصب ترب العالم ومن أكثر المناطق السورية جذباً للمصطافين، إذ تعتبر الغوطة مقصداً مثالياً للنزهات والسيارين وقضاء الإجازات وأيام العُطل، لم يعد الأمر على هذا النحو منذ اندلاع الثورة السورية، فالغوطة بشقيها الشرقي والغربي من أكثر المناطق السورية تعرضاً لقصف قوات النظام، وقد لا يخلو يوم من طلعات لطائرات الميغ وقصف بالصواريخ والمدفعية من الثكنات العسكرية التي تنتشر حولها، حتى بات الريف الدمشقي شبه خال من السكان، يتنقل الأهالي فيه من منطقة كارثية بالكامل إلى منطقة كارثية بشكل أخفّ، ومن بلدة مستهدفة الآن إلى منطقة قد تستهدف غداً !

كانت الغوطة من أوائل المناطق السورية التي تشكلت فيها كتائب للجيش الحر لحماية الأهالي من بطش النظام، ومن المناطق التي تحررت أجزاء كبيرة جداً منها من الوجود العسكري والأمني لقوات الأسد، وهو ما استدعى من النشطاء والأطباء في تلك المناطق العمل على إنشاء مستشفيات ميدانية لإسعاف الجرحى والمصابين، تعجز – هذه المستشفيات – مع الأيام عن استقبال كل الحالات التي تردها، مردّ ذلك لأسباب بعضها لوجستي، وبعضها الآخر إنسانيّ.

قلة الكوادر والتجهيزات

تشكو المستشفيات الميدانية في ريف دمشق من قلة الكوادر الطبية وقلة التجهيزات بحسب الناشط أبو يمان الذي اصطحبنا في جولة إلى المستشفيات الميدانية هناك، يقول أبو يمان :
نريد أن تكون مستشفياتنا الميدانية مستقلة عن أي تبعية، وهمّنا الوحيد هو أن تكون هذه المستشفيات قادرة على إسعاف كل الحالات، هناك نقاط طبية في الكتائب المقاتلة، لكنها غير قادرة على إنقاذ حياة مقاتليها الجرحى، أفضل ما تستطيع تقديمه هو إسعاف جرحاها ريثما يصلون للمستشفى الميداني الذي يتعين عليه إجراء العمليات اللازمة لإنقاذهم، ومع الأسف فإنه في ظل الوضع الراهن من قلة الأطباء الجراحين وعدم توفر تجهيزات فإن حالات بتر الأعضاء كثيرة، وكان يمكن تلافيها لو توفر تمويل كاف للعمل الطبي و الإسعافي.
يضيف أبو يمان : المستشفيات الميدانية تدرب المزيد من المتطوعين من أبناء المنطقة على التمريض والإسعافات الأولية، من أجل “حمل كتف” عن الأطباء الذين نشكو من قلتهم، ويتسائل الناشط عن سبب توجه بعض الجهات الداعمة بتمويلها إلى المستشفيات الخاصة التي تُجري العمليات بأجور مرتفعة، بينما المساعدات التي تصل إلى المستشفيات الميدانية شحيحة وغير نوعية وغالباً ما تقتصر على الأدوية وهي تعمل بلا أجر؟

وسائل بدائية

ولن تخطأ العين الزائرة ملاحظة بدائية الأساليب المتبعة في العمل وقلة التجهيزات والإمكانات في تلك المستشفيات التي تتخذ دوماً الأقبية مقراً لها كمحاولة لتفادي القصف وللتورية عن مكانها، يقول أبو أحمد وهو مسؤول الخدمة والمرافق في المستشفى الميداني بكفربطنا إنّ الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، ونحاول تأمين مولدات طاقة ليكون العمل ممكناً، ننجح أحياناً ولا نجح أحايين كثيرة، النظام يقطع الكهرباء عن معظم مناطق الريف وأغلب الوقت، لكنه لا يقطع القصف؛ ولهذا يجب علينا البحث عن بدائل بشكل مستمر ليتمكن المستشفى من أداء مهمته في إنقاذ الناس.
ومع أن المستشفى الميداني يقع في قبو بناء متعدد الطبقات، إلا أنّ آثار القصف واضحة في سقف و جدران هذا القبو نتيجة الهزات القوية للقصف، في جولتنا القصيرة إلى مستشفيين اثنين أحدهما في كفربطنا وآخر في عربين أُجريتْ عمليتان جراحيتان خلال أقل من ساعتين، وكان من الموجع أن نرى طبيباً يجري عملية وقد ثبّت على رأسه لمبة إضاءة تُشحن ببطارية قام النشطاء بإعدادها لتصبح كما القبعة يسهل تثبيتها على الرأس !
سألتُ الطبيب عما إذا كان يسمح لنا بتصوير وجهه، فابتسم قائلاً : وهل يوجد طبيب هنا ليس مطلوباً لعدة أفرع أمنية ؟!

عمليات ساخنة .. باردة أيضاً .. !

العمليات الباردة تشكل عبئاً إضافياً على المستشفيات الميدانية كما يقول مدير المستشفى الميداني بكفربطنا، وهو طبيب جراح ترك العمل في مستشفى خاص من أجل مساعدة الجرحى والمصابين، يضيف الطبيب الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه أنه خلال شهر تشرين الثاني أجرى مستشفاه 700 عملية بين ساخنة وباردة، العمليات الباردة ليست من اختصاص المستشفيات الميدانية التي تكمن مهمتها في إسعاف الجرحى والمصابين جراء القصف والاشتبكات، يقول الطبيب، ويضيف : ليست لدى المستشفيات الميدانية القدرة الاستيعابية لمثل هذه الحالات، بالأخص مع وجود نقص حاد في الأجهزة الطبية وفي المواد اللازمة لإجراء العمليات، في كثير من الأحيان نعيد تعقيم الأدوات التي يجب ألا تستخدم لأكثر من عمل جراحي واحد ونستخدمها عدة مرات بعد تعقيمها كمفجرات الصدر على سبيل المثال.
وعند سؤالنا عن سبب توجه الناس إلى المستشفيات الميدانية لإجراء عمليات باردة أجاب الطبيب : النظام يعاقب أبناء الريف، كونك من كفربطنا مثلاً سيجعلك محطّ تهمة، كونك من عربين أو زملكا كذلك، فلا يمكن لأبناء ريف دمشق الذهاب للمستشفيات الحكومية أو الخاصة في العاصمة دمشق، كما يتعسّر على أهالي الريف الدمشقي اللجوء إلى المستشفيات الخاصة في الريف في ظل الظروف المادية الصعبة التي يعيشونها والعمليات الجراحية مكلفة كما هو معلوم، لذا نضطر في المستشفيات الميدانية أن نسعفهم رغم قلة كوادرنا وقلة إمكاناتنا وتجهيزاتنا.

استهداف المسعفين

أبو أحمد الذي التقيناه أثناء جولتنا، كان إضافة إلى كونه مسؤول الخدمة والمرافق في المستشفى الميداني والموثِّق لجميع الحالات التي تدخل إلى المستشفى، كان يعمل مسعفاً ينقل الجرحى من المناطق المستهدفة بالقصف إلى المستشفى، وقبل نشر هذا التقرير كانت قذيفة قد استهدفت سيارة إسعاف كان أبو أحمد يستقلها لإسعاف جرحى القصف على كفربطنا بتاريخ 20-12-2012 وأودت بحياته، وهذا أخطر وأكبر معوقات العمل الإسعافي الطبي ليس في غوطة دمشق وحدها، بل في عموم الأراضي السورية المنكوبة جميعاً، إذا لا يتورع نظام الطاغية من استهداف المستشفيات والعاملين في الحقل الطبي.

rif-dimashq-2

* بعض التجهيزات المتوفرة تحتاج إلى تجهيزات إضافية لتعمل معها، وإلى مولدات طاقة كهربائية.

rif-dimashq-3

rif-dimashq-10

rif-dimashq-5

* مستشفى ميداني بكفربطنا

rif-dimashq-7

* مستشفى ميداني بعربين

rif-dimashq-6

* مفجرات الصدر يعاد تعقيمها مرات متكررة من أجل اسخدامها مراراً، نتيجة حتمية لقلة الامكانات.

rif-dimashq-8

rif-dimashq-21

* عدم تنسيق المتبرعين المسبق مع المستشفيات الميدانية يؤدي إلى توفر أدوية أقل أهمية على حساب أدوية في غاية الأهمية.

rif-dimashq-32

* آثار القصف تظهر بوضوح في جدران وأسقف المستشفيات التي تتخذ من أقبية الأبنية مقرات لها.

rif-dimashq-321

* أجريت خلال ساعتين عمليتان جراحيتان بحضورنا، كثير من الأطباء لا يمانعون من عرض صور وجوههم باعتبار أنّ الأجهزة الأمنية تلاحقهم أصلاً !

rif-dimashq-4

* استشهد أبو أحمد بعد أن ألتقطتُ له هذه الصورة بعشرة أيام، اقرأ ما كتبتُه عنه هنا.

نقلا عن مدونات أحمد http://ahmadblogs.net

Advertisements