كافة المنشورات, آراء و مقالات

البي بي سي الى الواجهة بعد وضوح انحياز تغطيتها أخبار المنطقة

أحمد حسن: كلنا شركاء

image

عادت البي بي سي الى واجهة صفحات التواصل الاجتماعي العربية على الفيس بوك وتوتير ودشن ناشطون عرب البارحة وسماً بعنوان #معاً_لتعرية_bbc يطالب قناة البي بي سي بالحيادية في تناول القضايا العربية ويتهم مديرها الإيراني بهروز افاق بخطف البي بي سي وتحويلها لخدمة المصالح الإيرانية في المنطقة العربية في تغطياتها عن سوريا والخليج.

ورغم أن شبكة “بي بي سي” العربية تعد من أقدم القنوات العالمية حيث انطلقت منذ عام 1938م واشتهرت بقسمها الإذاعي الذي أطلق القسم العربي المختص قبل أن تتحوّل الى قنوات وصحف إلكترونية باللغة العربية، إلا أن هذا التاريخ بدأ يهتز؛ خصوصاً في المنطقة العربية مع التغطيات المنحازة لصف طهران, منذ بداية الربيع العربي وثوراته والتي ترافقت مع استلام الإيراني بهروز افاق إدارة قسمها العربي في عام 2011.

رغم ان رئيس هيئة الإذاعة البريطانية مارك تامبسون، هاجم في 6 فبراير 2012 إيران بسبب ما وصفها بالضغوط التي تمارسها السلطات الإيرانية على الصحافيين الإيرانيين العاملين في إذاعة وتلفزيون “BBC”، خصوصاً قناة “BBC” الفارسية التلفزيونية. وأن الحكومة الإيرانية تمارس هذه الضغوط للوصول لهدفين أساسيين: الأول هو إرعاب الصحافيين الإيرانيين العاملين في “BBC” حتى يقدموا استقالاتهم، والهدف الثاني هو الضغط عليهم لكي يتعاونوا مع الاستخبارات الإيرانية وبالتالي يتحولون إلى عملاء وجواسيس لإيران.

فهل تحول حقا بعض الإعلاميين الإيرانيين في بي بي سي الى عملاء لإيران كما ذكر رئيسها؟؟

وهل تخدم البي بي سي أهدافا إيرانية في المنطقة العربية عامة وفي سوريا خاصة؟

بهروز : مدير إيراني يجمع اقساما متعددة ويحتكر اللغات الاسيوية المهمة في البي بي سي :

يتهم المتابعون الصحافي ذا الأصول الإيرانية (بهروز افاق) المشرف على bbc عربية، باختطاف القناة وتحويلها من الحياد والمصداقية إلى معاداة القضايا العربية، ومحاولة انتقائية الأخبار والتقارير التي تسيء إليها في نشرات الأخبار التلفزيونية وتقاريرها الصحافية على الموقع الإلكتروني.

بهروز؛ الذي وُلد في طهران وأكمل دراسته الجامعية فيها قبل أن يواصل في إحدى جامعات المملكة المتحدة عام 1978م, ثم انضم إلى العمل كصحافي في مجموعة bbc عام 1984م, وتدرج فيها لسنوات طوال مارس خلالها العمل مستشاراً للرئيس السابق  “نجاد” قبل أن يكلف بإنشاء الناطقة باللغة الفارسية عام 2009م, ثم يتسلّم مسؤولية إدارة وتحرير تلفزيون وإذاعة “بي بي سي” في 7 لغات آسيوية؛ من ضمنها اللغة العربية.

هذا التفرد بالسلطة داخل المجموعة الإعلامية الشهيرة، منحه صلاحيات واسعة ونجح في تحويل خط سيرها الرصين إلى تحقيق مصالح دولته الإيرانية من خلال التغاضي عن تغطية الجرائم الإيرانية المنتشرة في مختلف الدول العربية، والتركيز على سلبيات الدول الخليجية وثورات الربيع العربي وخاصة في سوريا.

عساف مراسلها في دمشق وزملاؤه حولوا البي بي سي الى قناة النظام السوري والناطقة باسم الأسد:

في بداية الثورة هاجم الإعلام السوري الرسمي قناة BBC باعتبارها جزءاً من حرب إعلامية تحاك ضد سورية، وبثت قناة الدنيا تقارير تعرف بـ “التضليل الإعلامي”لفضح ما تسميه “الممارسات غير المهنية” للقناة، باعتبار أنها تعتمد في معلوماتها على “المرصد السوري لحقوق الإنسان” الموجود في بريطانيا، وتنقل روايات مزورة لشهود عيان وأشخاص عاديين على أنها حقائق، وتتبنى مقاطع فيديو مفبركة في غرف سوداء، وما إلى ذلك.

لتقوم قناة BBC العربية بعدها ببث وثائقي بعنوان “شاشة للرئيس” يسلط الضوء على ما يجري في كواليس إعلام النظام السوري، وقالت القناة وقتها أنها حصلت على الموافقة بإجراء الفيلم بعد أشهر من المفاوضات بين المحطة ووزارة إعلام النظام، وحمل الفيلم توقيع الإعلامي نور الدين زوركي ضمن سلسلة وثائقيات “عن قرب” التي تنتجها القناة. وتحدث الفيلم عن العمل في قناة الإخبارية السورية التابعة للنظام السوري، وتضمّن مقابلات مع مدير عام “الإخبارية” ومدير “الدنيا” سابقاً عماد سارة، والمذيعة السورية ربى الحجلي التي عملت في قناة “التركية” سابقاً.

كما تحدث الفيلم عن عملية “الاختطاف” التي تعرض له فريق الإخبارية، وكانت ضمنه المراسلة يارا صالح، ومصور القناة فادي يعقوب، في العملية التي اتهم النظام ما يسميها “الجماعات الإرهابية المسلحة” بالقيام بها.

اعتبر المؤيدون ذلك الوثائقي بداية تصحيح لمسار البي بي سي في علاقتها مع النظام ومحور إيران مع الحضور الدوري لاحد أنصار النظام السوري على شاشتها باعتباره باحثا في الشأن السوري – عمار وقاف – واخته مذيعة البي بي سي – دينا وقاف – وصار الحضور المكثف لاحد اهم مراسليها – عساف عبود – ابن مصياف والحزب القومي وصديق كل مؤتمرات النظام، حيث ينال اهتمام السياسيين السوريين دوما في المؤتمرات الصحفية في دمشق لبثينة شعبان والحكومة السورية ويكون اول من يعطى الميكرفون في تلك المؤتمرات.

ويرد الناشطون قربه الى النظام لكونه ابن اخت جميل الحسن رئيس المخابرات الجوية وهو ما سهل له الدخول الى الكثير من الأماكن العسكرية بكاميرا البي بي سي ومرافقة معظم الاشتباكات.

حيث تحفل صفحته على الفيس بوك بأخبار وتعليقات ومشاركات يومية لا تختلف عما يكتبه مذيعو قناة الدنيا والاخبارية السورية، وقد يتفوق عليهم في الكثير من التغطيات، مما دفع الكثير من السوريين الى انتقاد البي بي سي التي تدعي الحيادية بينما يغرق مراسلها في ولاء منقطع النظير للأسد ومجموعته ويتبنى نظرتهم فقط في كل تقاريره.

ازدياد المعارضة للبي بي سي في انكلترة والعالم واتهامات بعدم الحيادية أيضا:

قبل أشهر أطلقت الحكومة البريطانية مراجعة لميثاق وتمويل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، واعتبر ذلك نية من الحكومة لتقليص خدمات ونفقات أكبر هيئة عامة للبث الإذاعي والتلفزيوني في العالم.

ورغم اعتراض مجموعات بريطانية على هذا المشروع باعتبار البي بي سي اهم مشروع ثقافي بريطاني عابر للحدود وعمره 92 عاما الا ان معارضيها مثل الحزب القومي الأسكتلندي وأقطاب في صناعة الإعلام وبعض الشخصيات في حكومة رئيس الوزراء ديفد كاميرون يقولون إن (بي بي سي) هي مؤسسة متضخمة تخنق المنافسة التجارية وتغطيتها الإخبارية غير متوازنة.

وتتبع هيئة الإذاعة البريطانية تسع قنوات تلفزيونية وعشر محطات إذاعية وموقع إلكتروني شامل. ويبلغ إجمالي دخلها السنوي 4.8 مليارات جنيه إسترليني (7.5 مليارات دولار) ويعمل بها نحو 19 ألف شخص.

وهي تحصل على تمويلها حاليا من عوائد رسوم رخصة التلفزيون التي تسددها كل أسرة تملك جهاز تلفزيون وتبلغ قيمتها نحو 145.50 جنيه إسترليني (226.92 دولارا) إلى جانب بعض الدخل التجاري.

لذلك تزداد كل يوم في بريطانيا الكتابات الصحفية المطالبة لها بالعودة الى الحياد والتغطيات الموضوعية والخروج من احتكار بعض المديرين – مثل الإيراني بهروز- فيها لسياستها الإخبارية وصبغها بوجهات نظرهم او الوجهات التي تحملها دول قريبة إليهم دون مراعاة تقاليد القناة التي كسبتها في تاريخها الطويل.

وهذه المعارضة تنتشر أيضا في تركيا والدول العربية التي ترى في سنوات بي بي سي الأخيرة انحيازا كاملا للمصالح الإيرانية في المنطقة وهو ما اطلق حملات الصفحات الاجتماعية مؤخرا، لعلها تعيد البي بي سي الى موضوعتها الضائعة اليوم حتى لا تخسر جمهورها العربي والاسيوي وثقته  .

Advertisements
كافة المنشورات, آراء و مقالات

ماذا فعلت لونا الشبل بمعارضة علي مملوك؟!

معتصم الطويل: كلنا شركاء

منعت سلطات النظام  اليوم الاثنين إقامة مؤتمر صحافي مخصص لعرض مذكرة تفاهم بين “هيئة التنسيق”  و”جبهة التغيير والتحرير”، بحجة عدم امتلاك تصريح إعلامي لإقامة هذا النشاط،  وقالت سلطات النظام أن الصحافيين كافة مصرحون من قبل وزارة الإعلام.

وكان المؤتمر مخصصًا لعرض مذكرة تفاهم بين “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي” و”جبهة التغيير والتحرير” تشدد على حل سياسي ينهي “النظام الاستبدادي”.

واكد المرصد السوري لحقوق الانسان في بيان اليوم أن وزارة الإعلام وبناء على “أوامر من المكتب الاعلامي في رئاسة النظام السوري” الذي تديره “لونا الشبل”، طلبت من الصحافيين في دمشق “عدم تغطية أي مؤتمر صحافي للمعارضة المتواجدة في دمشق” وعدم استضافة أي من المعارضين على الشاشات الفضائية.

وأكد منسق “هيئة التنسيق” حسن عبد العظيم في اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس من بيروت: “كان ثمة مؤتمر صحافي عند الساعة 12:00 (09:00 تغ) دعيت اليه لجنة مشتركة من قيادة جبهة التغيير والتحرير وهيئة التنسيق الوطنية، لاعلان مذكرة تفاهم بين الطرفين تتضمن مبادئ اساسية لحل سياسي تفاوضي في سوريا يضمن وحدة البلاد”.

واضاف أن عناصر من اجهزة الامن “قاموا بمنع عقد هذا المؤتمر، ومنعوا دخول الصحافيين الى مقر جبهة التغيير” في حي الثورة وسط دمشق.

وأصدرت هيئة التنسيق بياناً اليوم الاثنين، اعتبرت أن قيام سلطات النظام  بمنع انعقاد المؤتمر يدل  على عدم صدقية النظام الذي يدعي إعترافه بالمعارضة الداخلية واستعداده للحوار معها.

وأضاف البيان: “قامت أجهزة الأمن بمنع عقد مؤتمر صحفي مشترك بين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وجبهة التغيير والتحرير في العاصمة السورية دمشق، وذلك للإعلان عن مذكرة تفاهم توصل إليها الطرفان بعد مباحثات مطولة وبناءة بينهما، في إطار الجهود التي تبذلها الهيئة مع قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية الأخرى لبناء تحالف سياسي عريض في الداخل والخارج لمواجهة الإستحقاقات الحالية والمستقبلية والمخاطر التي تحيط بالبلاد”. 
وأشار البيان أن الأنباء المتوافرة لدى هيئة التنسيق، من مصادرحقوقية وصحفية مطلعة، أن قرار المنع هذا قد أتخذ ليلة أمس على أعلى مستوى صحفي في رئاسة النظام السوري لعرقلة أي جهد يبذل من قبل المعارضة الوطنية الديمقراطية للمساهمة في إنقاذ البلاد وتحقيق التغيير السلمي الديمقراطي.
وأدانت هيئة التنسيق الوطنية في بيانها  بأقسى العبارات هذا القرار الأمني التعسفي الصادر عن أعلى سلطة في البلاد، ودعت  كافة القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة إلى إعلان تضامنها مع هيئة التنسيق الوطنية وجبهة التغيير والتحرير، وتجدد دعوتها لهذه القوى للمساهمة في بناء التحالف السياسي المعارض الذي تدعو إليه هيئة التنسيق وحلفائها. كما تدعو كافة وسائل الإعلام إلى إستنكار ما حصل كونه يتعارض مع كافة المواثيق الإعلامية وحرية الرأي والتعبير.

واعتبر مصدر في دمشق لـ “كلنا شركاء” أن تدخل المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري بشكل مباشر في منع انعقاد المؤتمر، يحمل في طياته ملامح الخلاف القائم داخل أعمدة نظام بشار الأسد ولاسيما بين الخلاف بين الأجهزة الأمنية و”حريم” القصر الجمهوري. ونفى المصدر إمكانية التحضير لمثل هذه المؤتمرات قبل الحصول على موافقة مسبقة من اللواء “علي مملوك” مدير مكتب الأمن الوطني في نظام بشار الأسد. وتوقع المصدر أن تكون السلطات الأمنية وافقت مبدئياً على انعقاد المؤتمر، ولاسيما أن المعارضة التي تشارك في المؤتمر ليست بعيدة عن دوائرها، ولذلك تدخل المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري لمنع انعقاد مؤتمر ما يسمى بالمعارضة الداخلية أو بمعارضة “علي مملوك”، في إشارة إلى صاحبها وراعيها.

وتتضمن المذكرة التي نشرتها الهيئة تفاهمات ابرزها، “الحفاظ على وحدة سوريا” و”رفض أي تدخل عسكري خارجي” و”نبذ العنف بكل اشكاله (…) واوهام الحل العسكري” و”مواجهة خطر ارهاب المجموعات الاصولية التكفيرية”. وبعد اكثر من ثلاثة اعوام على اندلاعه، بات النزاع السوري الذي اودى باكثر من 170 الف شخص، متشعبًا ومتعدد الجبهات، لا سيما مع تصاعد نفوذ تنظيم “الدولة الاسلامية” الجهادي وسيطرته على مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها، تزامنًا مع اتساع مناطق سيطرته في العراق.

  وبموجب المذكرة، توافق الطرفان على التفاهمات التالية:
1- الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً والسيادة الكاملة للدولة السورية على جميع أراضيها.
2- رفض ونبذ الطائفية وأيّ دعاوي تمس بوحدة المجتمع السوري.
3- رفض أي تدخل عسكري خارجي.
4- نبذ العنف بكل أشكاله وتواجد المسلحين غير السوريين على الأراضي السورية وأوهام الحل العسكري ونتائج ذلك الكارثية على الدولة السورية.
5- مواجهة خطر إرهاب المجموعات الأصولية التكفيرية على المجتمع والدولة.
6- رفض أي حل يتعارض مع مصالح الشعب السوري أو وحدة البلاد أو يعيد انتاج نظام الاستبداد.
كما تفاهم الطرفان على الإجراءات الضرورية التالية:
1- تشكيل لجنة مشتركة لإعداد خارطة طريق للحل السياسي يُلتزم بها في أي عملية تفاوضية.
2- تشكيل لجنة لإعداد تصور مشترك لمستقبل سورية الديمقراطي والبنى الدستورية والقانونية المنشودة.
3- تشكيل لجنة متابعة.

كافة المنشورات, آراء و مقالات

د. يحيى العريضي : جيش لم يسقط ذبابة يستقوي على نازحين

بحكم العلاقة الخاصة مع سورية، قرر لبنان ان ينأى بنفسه عما يدور فيها من ويلات. تفاجا كثيرون في سورية؛ ومن الضفتين؛ بذلك الموقف: النظام، الذي استثمر ثلاثين عاما من تربية أُجراء وعملاء وحلفاء  لاستخدامهم في لحظات عصيبة كالتي يمر بها؛  وتفاجا المنادون بالحرية والعارفون بأن ثلاثين عاما من المعاناة على يد الاستبداد ، والتي توٌّجت بثورة الحرية/ الأرز،  لا بد وان تخلق تعاطفا مع صوت الحرية السوري. لم تدم مفاجأة النظام طويلا؛ فحزب الله لم ترق له مسالة النأي بالنفس فدخل سورية ليدافع عن الأضرحة المقدسة وصولا إلى الدفاع عن ضريح النظام الذي تهاوى لولاه كما صرح الحزب ذاته.

حذر كثيرون من ذلك التدخل الدموي ؛ وقالوا بصريح العبارة إن ذلك لن يجلب فقط تدخلات دموية اخرى إلى سورية، بل سيمتد الحريق إلى لبنان الهش . فكما الدم يستجلب الدم؛ كذلك العنف والإرهاب لا يولدان إلا عنفا وإرهابا. من أكثر الأصوات وضوحا كان صوت وليد جنبلاط الذي رأى تدخل حزب الله في سورية مجلبة للويلات على سورية وعلى لبنان أيضا. ليس هناك مشكلة إن كان السيد جنبلاط  يرى في دخول داعش وإرهابها ودولتها ما يتجاوز مسالة تدخل حزب الله في سورية؛ فالأمر أكبر من تدخل الحزب ؛ إنه الحالة الظلامية الخطيرة التي تغزو المنطقة. الأمر الذي يتخوف منه الرجل يشاركه به كثيرون؛ فهذا الفكر الظلامي التشويهي للإسلام يخدم أجندات خارجية ويبرر مسلكيات وحشية، ويمارس الهدم والقتل والتشريد وينسف ما حاولت المدينية أن تبنيه لعقود وقرون.

السؤال الذي يطرح نفسه ها هنا يتمثل فيما إذا كان بروز هذه الظلامية يجبُّ ما قبلها. فهل بروز داعش على المسرح اللبناني يلغي جريمة حزب الله بحق سورية والسوريين؟ وهل عبارة ” خطأ إستراتيجي ” التي يتم توصيف سلوك حزب الله بها يلغي أو يحيد الأنظار عن جريمة حزب الله بحق سورية والسوريين؟ هل كان صعب القول على من تعود الجرأة أن يقول إن ذلك الخطأ الاستراتيجي هو الذي جلب إجرام داعش؟  لقد تحدث جنبلاط يوما عن التوجه الخطأ لبندقية حزب الله ؛ ولا ندري إذا أصبحت وجهة تلك البندقية غير ذي أهمية بعد اللقاء الأخير بالسيد حسن. ولا ندري إن كنا سنسمع لاحقاً  بأن النظام في سورية كان على حق عندما قال إنه يقاوم الإرهابيين والطائفيين والوهابيين والرجعية الإسلامية المتمثلة بتيار المستقبل!

يستطيع لبنان أن يستخدم ما لديه من جيش حتى يقاتل داعش ويستطيع حزب الله أن يقاتل داعش، والمالكي يستطيع أن يقاتل داعش والنظام السوري يقول إنه يقاتلها؛ إذا كانت داعش بهذا العقل الظلامي وتستهدف الأقليات ، تذبح وتشرد وتفرض جزية. هناك حديث عن مشاهدة قوات داعشية ألى الشرق من محافظة السويداء حيث تسكن أقلية تهم مطلقي التصريحات الجديدة؛ من يزوّد أهل تلك المنطقة بما يدافعون به عن أنفسهم في وجه داعش ، ربما يُراد لهؤلاء أن يعوّلوا على حزب الله لنصرتهم بعد أن حاصرهم النظام والمعارضة السوريان والآن داعش!! ربما تغيرت النظرة حتى تجاه النظام بحيث قد يُعتقد بانه سيأتي لنجدة تلك الأقلية وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه في وجه داعش؟

لا ندري إذا كان هناك من نسي أقواله ذاتها التي يتحدث فيها عن تهديدات بتوسيع الحريق ليشمل المنطقة بمجملها؟ ألم يتحدث هؤلاء يوما عن إطلاق النظام سراح سجناء أصوليين بعد برمجتهم ليكونوا تلك الحالة الظلامية التي يتحدثون عنها اليوم؟

هل يختلف اثنان باننا أمام قوة ظلامية غاية في الانحطاط والجريمة؛ ولكن نزعها من سياقها وإغفال جذر المصيبة والإجرام يجعلها تتغول في الإجرام أكثر ويقدم صك براءة لأساس الكارثة. ألهذا القدر تأثير لقاء  السيد نصر الله ، ومن أجل ماذا ؟

  هل خطر في بال السيد وليد جنبلاط ان ما حدث في عرسال يمكن ان يكون مدبرا من السيد الأمين العام الذي كان يجالسه منذ أيام ؛ وهدف كل ذلك ليس الا التضييق على مشردي سورية المساكين في لبنان؟!

منذ ” نصر ” حزب الله المزعوم على إسرائيل، متى كان للجيش اللبناني كلمة او وجود أمام تسلط حزب الله! ماذا يمكن أن يُقال لمن  يؤكد أن آلاف المقاتلين من حزب الله بألبسة الجيش هم من يطوق عرسال ويستعدون لهجوم عسكري سيرتكب مذابحا بحق أهل عرسال وخاصة النازحين السوريين هناك؟!

عن أي جيش لبناني يتكلمون؟ أليس هو ذاته الجيش “اللبناني” الذي لم يحرك ساكنا لحماية عرسال اللبنانية وجرودها من القصف الجوي للنظام السوري.
أليس هو ذاته الجيش”اللبناني” الذي كان شاهد زور و شرطي مرور لتسهيل دخول وخروج مقاتلي حزب الله للأراضي السورية سواء من جهة بلدة جوسية فالقصير او من جهة مرتفعات الهرمل التي استخدم فيها حزب الله قاعدة الصواريخ التي يمتلكها هناك لقصف القصير انطلاقا من الأراضي اللبنانية وعلى مرأى ومسمع الجيش “اللبناني” أو من جهة مناطق أخرى على الحدود مع سورية  ألم يبدأ قصف الطيران السوري سلفاً لتلك المنطقة؟

هذا الجيش، الذي لم يتجرأ يوما على إسقاط ذبابة إسرائيلية، يستبسل اليوم على نازحين شردتهم آلة قتل معلّمه في دمشق. ذلك التاريخ من الاصطفافات الطائفية تاريخيا يتحول إلى نمرود يذود عن حياض لبنان فجأة. اصطفافه الأخير مع حزب الله قاتل السوريين . يستبدل بزته العسكرية ببزة شاهد زور على ارتداء حزب الله للباسه وارتكاب المجازر في عرسال بحق من لجأ إلى أرض لبنان هربا من حمم إجرام حاكم دمشق

أليس هناك بعدا سياسياً فيما يحدث يتمثل بترفيع قائد فوج المغاوير صهر ميشيل عون السيد” شامل روكز” إلى قائد جيش وترفيع قائد الجيش الحالي جون قهوجي إلى رئيس جمهورية من خلال إبراز هذين الإثنين كبطلين خلصا لبنان من شرور داعش وإرهابها. معركة عرسال المؤجلة منذ شهور لن تكون إلا انتقاما لهزائم حزب الله في القلمون وتغطية لفشله وإجرامه بحق السوريين وتشوه صورته أمام حاضنته؟

احترق حزب الله في سورية؛ ويصعب أن يعود إلى لبنان بقوته المعهودة إياها. مقابل ذاك الحريق سيحرق لبنان. إنه يتّبع المبدأ ذاته ” أحكمها أو أحرقها  “. وكما على السوريين الشرفاء أن يمنعوا أو يوقفوا  حرق بلدهم؛ على شرفاء لبنان أن يمنعوا ويوقفوا حرق بلدهم.
د. يحيى العريضي

كافة المنشورات, آراء و مقالات

تحطيم متعدد الأشكال للمجتمع السوري … ياسين الحاج صالح

yassin

ياسين الحاج صالح – الحياة

لا تعطي الأرقام المجردة عن عدد الشهداء والمعتقلين والنازحين واللاجئين فكرة عن مستوى تحطيم المجتمع السوري، البيئات الثائرة بخاصة، على يد النظام الأسدي. الكلام على 42 ألف شهيد من طرف الثورة وفق الأرقام الأكثر تحفظاً، وعلى ما ليس معروفاً من المعتقلين (تكلم معاذ الخطيب قبل أيام عن 160 ألفاً). أما اللاجئون القسريون خارج البلد، فربما يقارب عددهم اليوم 700 ألف، وهو في تصاعد مستمر. ويتجاوز مجموع النازحين الداخليين مليونين ونصف مليون، وليس معلوماً عدد النساء اللاتي اغتصبن، وكذلك الأطفال في المقار الأمنية.
غير ذلك هناك تدمير ما لا يحصى من الممتلكات من مساكن وورش ومزارع ومحال تجارية.
وفقدت أعداد يتعذر تقديرها القدرة على العيش البسيط. حتى الخريف الماضي كانت تُرى أسر تعيش في الحدائق، وفي كل وقت ترى أمهات يتسولن ومعهن أطفالهن، وتتواتر معلومات عن انتشار الدعارة، مقابل الطعام في مرويات، وبغرض إعالة الأسرة في مرويات أخرى.
هناك ضحايا من طرف النظام أيضاً، ربما فوق ثلث عدد ضحايا الثورة. لكن تحطيم بيئات الحياة، وشروطها المادية والاجتماعية، محدود جداً. خص النظام حواضن الثورة بذلك المزيج المميز جداً له من البدائية التقنية والبدائية الأخلاقية، على ما رأيناهما يتجسدان معاً في ذلك المشهد لعسكري في طائرة مروحية، يشعل بسيكارته فتيل برميل متفجرات، قبل أن يدفعه بقدمه للسقوط فوق منطقة مأهولة. يستحق هذا المشهد جائزة البربرية التي يمكن تعريفها بالضبط بهذا المزيج من بدائية تقنية وبدائية أخلاقية. عنصرا المزيج مترابطان على كل حال. فبفضل هامش مريح من العنف (سهّلته على نحو إجرامي الأيديولوجية الوطنية، وفي وقت أسبق ضرب منحط من الماركسية) تحرر النظام من أي ضغط في مجال المهارة والكفاءة وحسن التنظيم. الأسدي النمطي هو شخص يفوز بما يشتهي بالسلاح، الشبيح.
هذه البربرية نجت منها البيئات الأقرب إلى النظام: لا تقصف بالبراميل، لا تُطلق عليها صواريخ سكود، لا ترمى عليها القنابل الفراغية والعنقودية، لم يُغتصب أحد من أطفالها في فرع الأمن، لم يُقتل أحد من الأطباء فيها، لم تنهب ممتلكات فيها، لم يقتل شبابها برصاصة في الرأس قبل أن يرموا مقيدين على ضفة نهر، أو تحرق جثثهم في أماكن مهجورة، لم تترك أحياء وبلدات بكاملها حطاماً فيها.
هذا يضاف إلى جريمة النظام الأسدي ولا يقلل منها. فقد فرّق بين السوريين وألّبهم على بعضهم بعضا، ونزع إنسانية الجميع ووطنيتهم. وإذا كنا نتكلم على تحطيم المجتمع السوري، فللإشارة إلى دمار يفوق الخيال للرابطة الوطنية، وليس فقط إلى أن فوق 60 ألفاً من السوريين قتلوا في الحرب الأسدية، وأن مدناً وأحياء وبلدات وقرى، ونفوساً، دمرت بالكامل.
ولعل الكلام الكثير على «جبهة النصرة»، والاختصار المتعمد للثورة السورية إلى هذا الفصيل الأقلي فيها، وهو ما جعله النظام نهجاً إعلامياً ثابتاً له منذ أدرج الأميركيون «الجبهة» على قائمة المنظمات الإرهابية، هو بالضبط مساهمة في التدمير المزدوج للمجتمع السوري: من جهة رد الثورة إلى صراع مع «إرهابيين» (كانوا سلفيين و «عراعير» قبل حين) لا قيمة لحياتهم أو هم صنف أدنى من البشر، وهو ما يسوغ، من جهة أخرى، إبادتهم، وفقاً لسنّة لا يستطيع الأميركيون والغرب الاعتراض عليها لأنهم من سنّوها: إبادة «الإرهابيين» هي السياسة الوحيدة الصالحة في مواجهتهم!
وهذا يتيح حجب واقع البربرية الفعلية الممارسة يومياً وراء بربرية مفترضة، لها اسم تجاري دولي معترف به. وكلما توسع القاتل في بربريته زادت حاجته إلى بربرة المقتولين.
يساهم في ذلك مثقفون احترفوا المزايدة الفكرية، يشخّصون مشكلات مجتمعاتنا في «الرؤوس» لا «الكراسي»، على ما قال مراوغ مزمن. وفقاً لهذه الدوغما الرثة التي تنسخ من حيث البنية الاقتصادوية الماركسية القديمة من دون تغيير، ولكن مع وضع «الثقافة» موضع الاقتصاد، يكون النظام السياسي مظهراً لجوهر مكنون في الرؤوس التي لا يبدو أن فيها شيئاً آخر غير هذا الجوهر الفاسد. لسنا هنا حيال مجتمع بشر دنيويين، يريدون أن يسكنوا في بيوت لائقة، وأن تدر أعمالهم عليهم دخولاً كافية، وأن يتعلم أولادهم في مدارس جيدة، وأن يبتهجوا بالعيش، وأن تتوافر لهم ما توفره الحياة المعاصرة من فرص وأدوات. لا، يتعلق الأمر بنوع بشري خاص، ميؤوس من صلاحه، إن لم يكن التخلص منه مرغوباً، فإنه ليس بالأمر المهم.
والحال أنه إذا كان الأمر كذلك فإن الطريقة المثلى لتغيير العقول هي قطع هذه الرؤوس المريضة، وسيكون القتل الفعلي الممارس منذ 13 شهراً تقريباً من دون استراحة تطبيقاً لهذه النظرية. أما «الكرسي»، أي نمط ممارسة السلطة، فهو تفصيل، مجرد نتاج للرأس (بالمفرد) المضروب. وإذا بدا أن «الرئيس المنتخب»، «الكرسي»، هو من يقتل الناس ويحطم المجتمع ويدمر البلد، فهذا مجرد مظهر خارجي لواقع حقيقي يتمثل في أن الكرسي نتاج للرؤوس، بل لعله ضحية لها إن تعمقنا في الأمر كفاية. كان في هذه النظرية (وهي أيضاً نظرية الاستخبارات السورية) الكثير من السياسة دوماً. اليوم تنكشف أنها موقف سياسي مباشر، ولا شيء غير ذلك.
وعند جميع أصحاب هذه النظرية من دون استثناء، الرأس الفاسد هو رأس منسوبين إلى جماعة دينية ومذهبية بعينها، «يصادف» اليوم أن أكثرية ضحايا الثورة منها. هل هذا «الفكر» بريء من هذا التأسيس للطائفية في الثقافة؟
ليست هذه قضايا إدراك، مشكلات فهم أو سوء فهم. إنها وثيقة الارتباط بمواقع واعية في الصراع الاجتماعي والسياسي بين ثورة السوريين والنظام الفاشي. وبين القاتل الذي يهرس رأس ثائر بكتلة من الإسمنت، و «المفكر» الذي تزعجه رؤوس المقتولين وليس كرسي القاتل، هناك استمرارية في النهج وفي النتيجة. نهج التشبيح الذي لا ينتج قيماً إيجابية، مادية أو ثقافية أو سياسية، بل يعتمد المزايدة في السياسة بحيث ينزع وطنية المحكومين، والمزايدة في الفكر لنزع العقل منهم، فضلاً عن توسل السلاح لامتلاك الثروة. والنتيجة هي الانكشاف التام للمجتمع السوري وتحطيمه المتجاوز لكل حد.
هذا الدمار ليس ابن اليوم. إنه تتويج لحكم نصف قرن.

كافة المنشورات, آراء و مقالات

المرحلة الأخطر في الثورة السورية … ياسين الحاج صالح

لُمحت قبل نهاية 2012 مجموعة علامات تسوغ الكلام على مرحلة جديدة، قد تكون الأخطر، في مسار الثورة السورية.yassin
أولى هذه العلامات ضرب من المراوحة في المكان على صعيد المواجهة المسلحة التي تتصدر أنشطة الثورة منذ منتصف الصيف الماضي. عدا السيطرة على مطار تفتناز في العاشر من الشهر الجاري، لم يتحقق للمقاومة المسلحة تقدم مهم، بل إن هناك شكوى متواترة من نقص الذخيرة في أوساط المقاتلين، والنظام هو مَنْ يتخذ وضعاً هجومياً في مناطق من دمشق الكبرى (الغوطة الغربية: داريا والمعضمية) وحمص.
العلامة الثانية تصاعُد دور مجموعات إسلامية سلفية في المقاومة المسلحة، تعرض مقداراً أكبر من الانضباط والكفاءة القـتالية، لكنّ لهـا أهـدافاً مـغايرة عما يفترض أنه التـطـلعات المؤسـسـة للثـورة. وهـي إن كانت لا تمارس انتهاكات بحق الممتلكات في المناطق التي تنشط فيها، فإن لها نسق انتهاكاتها المغاير: محاولة فرض نمطها الاعتقادي والاجتماعي على السكان. الأَشْهر بين هذه المجموعات «جبهة النصرة لأهل الشام». والصفة الطائفية المبدئية للمجموعة السلفية تُغرِّب جميع غير السنّيين، ويُغرّب نهجها الإكراهي أكثرية السنّيين أيضاً.
العلامة الثالثة انتشار سلوكيات ومظاهر «فلتة الحكم»، أي غياب أي سلطة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من سلب ونهب، وتوسل السلاح في تصفية حسابات شخصية أو عشائرية قديمة. هذا منتشر في مناطق الجزيرة السورية بخاصة، لكنه غير مقتصر عليها، وليس بعيداً منه اعتداء مسلحين محسوبين على «الجيش الحرّ» على بلدة رأس العين ذات الغالبية الكردية، حيث تتداخل مظاهر الفلتان مع توتر عربي – كردي عمره عقود في محافظة الحسكة. يسهل الأمر امّحاء الحدود بين مجموعات المقاومة المسلحة ومجموعات زعران أو «مشلحين»، مع العلم أن الفلتان وامّحاء الحدود هذا هما مصدر القوة الأساسي لجبهة النصرة وأشباهها.
في المقام الرابع يبدو أن محصلة تأثير القوى الدولية الفاعلة، المنتظمة في تجمع «أصدقاء الشعب السوري»، تتوافق كذلك مع المراوحة في المكان عبر الامتناع عن دعم المقاومة المسلحة بما يمكّنها من كسب المعركة، مع كونها غير قادرة على التأثير في النظام بوسائل أخرى. النظام ارتد في المرحلة السابقة (ابتدأت منتصف صيف العام الماضي) إلى نواته الصلبة في الداخل (المركّب السياسي الأمني أو «الدولة الباطنة»)، وإلى تحالفه الإقليمي الصلب (إيران و «حزب الله»)، ولم يعد قابلاً للتأثر بالمستوى الحالي للرفض الدولي لسلوكه.
خامساً، استمرار ضعف الدور القيادي للمعارضة المنظمة. «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» لا يبدو قادراً أو حائزاً على المقدرات التي تمكّنه من التأثير في سير الأمور في الداخل. وهو واقع بين ضغوط متعددة الاتجاهات من الداخل وضغوط الخارج التي يبدو أنها متعددة الاتجاهات أيضاً. ويشكو الائتلاف نقصاً في الموارد على مستوى الإغاثة، وعلى مستوى الدعم العسكري، فضلاً عن مشكلات ضعف تماسكه الذاتي أيضاً. لن يسمع منه أحد ما إذا كان غير قادر على أن يحل مشكلة لأحد أو يقدم لأحد شيئاً.
ويمكن أن نضيف التفاقم المتسارع للملف الإنساني للحرب الأسدية، مع تجاوز عدد اللاجئين في البلدان المجاورة 600 ألف، ومليونين ونصف مليون على الأقل من النازحين في الداخل.
تسجل هذه المرحلة الجديدة اختلافاً مهماً عن أية مرحلة سابقة عرضت في مسار الثورة المتموج خلال نحو عامين. في المراحل السابقة كانت الثورة صراعاً بين قطبين، يواجه النظامَ فيه طيفٌ ضعيف التجانس، لكن توحده قضية عامة، التخلص من النظام. اليوم انكمش النظام إلى نواته الصلبة وتوسع أكثر في حربه الإجرامية، بينما يعرض الطيف الثائر تشتتاً كبيراً، ويشكل بعض المجموعات المحسوبة عليه عبئاً يثقل كاهله، سواء لتشددها الديني، أو بالعكس لانحلالها وانفلاتها من أية ضوابط. في الوقت ذاته يتقدم مستوى تدويل الصراع السوري، مع تعذر حسمه داخلياً، وهذا على رغم إحجام «أصدقاء الشعب السوري» عن دعم الثائرين السوريين، ومع سخاء وقوة قلب أصدقاء النظام السوري في دعمه.
ويبدو أن النظام أول المستفيدين من سير الأمور في هذه المرحلة الجديدة. كان خطاب بشار الأسد في دار الأوبرا في السادس من الشهر الجاري مؤشراً إلى ذلك. النظام الذي تصرف حيال البلد كما لا تتصرف قوة احتلال أجنبي، والمتيقن أكثر من أي وقت، بحصانته من العقاب على رغم تفننه في الإجرام، لماذا لا يمعن في التفنن؟ يناسبه كثيراً أيضاً أن تنتشر ظاهرة جبهة النصرة، لأن ذلك يفيد في تغريب قطاعات أوسع من السوريين عن الثورة، ويُـسـهّل له بيع سـردية الحرب على الإرهاب إلى قوى غربية راغبة في الشراء. ويسعده بالمقدار ذاته وأكثر أن تشيع مظاهر «فلتة الحكم» في المناطق الخارجة عن نفوذه، لأن الثائرين هم من سيُلامون على ذلك، ولأنه يضفي الشرعية على مبدأ أساسي في فلسفة الاستبداد: الناس وحوش وأشرار ولا ذمَم لهم.
يناسب السير الحالي جبهة النصرة ذاتها. فمثل شبيهاتها تكون في أحسن حال كلما كانت الأوضاع العامة أسوأ، ومن شأن إمعان النظام في توحشه، وتعثر أية قوى وطنية معتدلة، كما هو حاصل اليوم، أن يضفي عليها مقداراً أكبر من الصدقية.
ولا تبدو متعجّلة لطي صفحة هذه المرحلة، أية قوى غربية تقارب الشأن السوري من مدخل مواجهة الإرهاب (لن تدعم المعارضة) أو حماية الأقليات (تتخوف من الحاضنة السنّية للثورة) أو «أمن» إسرائيل (النظام أفضل البدائل، وإلا فالفلتان)، أو هي تلحق الصراع السوري بإيقاعات المنازعة مع إيران وملفها النووي. آخر همّها حرية السوريين وحياتهم.
المتضرر الأكبر من الأفق الجديد هو ملايين السوريين من الذين تأذوا مباشرة ويتطلعون إلى العودة إلى مواطنهم وترميم حياتهم، وكذلك ملايين المتطلعين إلى أوضاع سياسية جديدة. كذلك أية قوة سياسية منظمة، بمقدار ما تحاول التأثير في سير الأوضاع السورية في اتجاهات أكثر تحرراً وعدالة.
في المحصلة، على أعتاب سنتين من تفجّرها، تبدو الثورة السورية في وضع هو الأشد حراجة: فوق 100 من السوريين يقتلون كل يوم، والنظام آمن جداً في إجرامه، وأكثر من حماة واحدة رأينا ورأى العالم، والقريب والبعيد شهود!

كافة المنشورات, آراء و مقالات

المراقب المثالي والصراع السوري … ياسين الحاج صالح

yassin

لنفترض مراقباً أو فريقاً من مراقبين سوريين، مطلعين ونزهاء، يتباحثون في كيفية الخروج ببلدهم من محنته الراهنة. لنفترض أن لدى المراقب، فرداً أو فريقاً، المعلومات الضرورية عن سير الأوضاع السورية منذ منتصف آذار (مارس) 2011، وأنه على اطلاع معقول على التطورات التي أدرجت تحت اسم «الربيع العربي»، وأنه مطلع بمقدار ما على تاريخ سورية المعاصر وتكوين المجتمع السوري. ولنفترض أخيراً أن هذا الفرد أو الفريق ليس منحازاً في الصراع السوري، وأنه وضع بين قوسين ما يقوله أي من فرقاء الصراع، ويريد أن يتوقف نزيف الدم والخراب في البلد، وأن يعاد بناء الحياة العامة في سورية على أسس عادلة بحيث لا يتصارع السوريون مجدداً.
ما هي النقطة الصلبة التي يمكن أن ينطلق منها مراقبنا المفترض لإخراج البلد من أزمته الخطيرة؟ من غير المحتمل أن ينطلق من رواية «النظام» أو «الثورة» عما يجري، وإن تجنب المجادلة في الروايتين. هناك صراع في سورية، والمراقب يريد وقفه والتخلص من أسبابه كي لا يتجدد، ويريد العدالة لأنه محب للخير ولبلده.
ظاهر له أن هناك سوريين لا يريدون أن يُحكَموا بالطريقة التي حُكموا بها طول نصف القرن المنقضي. هذا مؤكد، ولن يتردد المراقب المتجرد في تقريره. ظاهر بالمقدار ذاته أن هناك سوريين يقفون إلى جانب النظام، سواء من باب الولاء له أو خوفاً من التغيير وعواقبه. المراقب ديموقراطي العواطف، وتفضيلات السوريين الأحياء لها الأولوية في تحديد أفضلياته هو أيضاً.
هذا يملي عليه المخرج الأنسب: تقاسم السلطة في البلد. المبدأ واضح، وإن جرى التعبير عنه بصورة خشنة، أما صيغة التقاسم الأنسب فلا بد من التداول بشأنها. المعيار فيها هو الفاعلية والاستقرار، فضلاً عن العدالة.
الأكيد أنه لا يجوز أن يُحكم البلد من أحد «إلى الأبد»، ليس لأن ذلك يتعارض مع الهوية السياسية لنظام الحكم في البلد، «الجمهورية»، ولكن لأنه غير عادل. متوسط بقاء رأس السلطة التنفيذية اليوم في بلدان العالم يتدنى عن عشر سنوات. والسيد بشار يشغل موقعه منذ نحو 13 عاماً، علماً أنه لم يشغل الموقع لكفاءة خاصة، وإنما لكونه ابن أبيه. وهو ما يعني أن سورية تحكم بالأسرة نفسها وبالأسلوب نفسه وللمصلحة نفسها منذ 43 عاماً. لا يلزم أن يكون المرء مُغرِضاً حتى يقول ذلك.
أكيد بالمقدار نفـسه وأكثر أنه ليـس من الـعدالة في شـيء أن يعامل السـوريون، أو أي شـعب، بالـطريقـة اللاإنـسانية الـتي عـاملت الـمخابرات السـورية السوريين فـيها طوال عقود.
هاتان نقطتا إجماع عند أي مراقب منصف، أليف لحساسية العصر، ومطلع على مطالب السوريين أنفسهم. ولا يستطيع حتى الموالون للنظام قول شيء غير تحكمي بشأنهما.
لكن في العلاقات بين السوريين مخاوف وتوجسات تتصل بهوياتهم الموروثة، أو بتكوين مجتمعهم الذي يشير إليه بعضهم بـ «الفسيفسائي»، وظاهرٌ للمراقب المتجرد أن النظام القائم، المرفوض من سوريين، يسكَّن مخاوف سوريين آخرين، وأن بعضهم يضحي في سبيل بقائه. لن يدخل المراقب في أصول هذا الوضع والمسؤوليات المحتملة عنه. يترك ذلك للمؤرخين والاجتماعيين.
هو شخص عملي، ويريد تطمين الخائفين من جهة الموالين للنظام، وفي الوقت نفسه تحقيق التغيير السياسي العادل الذي يطالب به المعترضون، وقد كانوا خائفين بدورهم طوال عقود.
كيف يمكن تطمين خائفين من دون إبقاء غيرهم أسرى الخوف؟
تقاسم السلطة العمومية هو المخرج. السلطة الفعلية- يعرف المراقب ما يعرفه جميع السوريين- هي للرئيس والمخابرات.
يفكر المراقب بانتخابات حرة تعددية، رئاسية وبرلمانية، في وقت قريب. لكن عدا وقف النار والإفراج عن المعتقلين وعودة النازحين واللاجئين، هذا يستلزم منطقياً تحييد أجهزة الإعلام والمخابرات.
لتحقيق هذا التحييد يلزم منطقياً تفاوض جدي وندي بين السوريين.
سيلاحظ المراقب أنه بعد نحو عامين من «الأزمة» لم يقترح النظام في أي وقت انتخابات حرة نزيهة في البلد، وأن بشار يريد الترشح في انتخابات تجرى بإشراف نظامه عام 2014، وأنه لم يعرض استعداداً في أي وقت للتفاوض الجدي مع أي خصوم سياسيين، ولو كانوا من الأكثر اعتدالاً حياله… وأن النظام أو أحداً من طرفه لم يعرض بعد 22 شهراً ونيفاً من الأزمة استعداداً لإعادة النظر في أسس النظام السياسي، أي مرة أخرى رئاسة السلطة التنفيذية وأجهزة المخابرات، وما يتيحه موقعهما الثقيل في البلد من نفاذ امتيازي إلى الموارد الوطنية.
مراقبنا الوطني لن يفكر على الأرجح بطلب موعد مع بشار الأسد لعرض أفكاره بخصوص تقاسم السلطة والتفاوض والانتخابات الحرة. افترضنا فيه أصلاً الاطلاع وحداً أدنى من الذكاء.
الواقع أن حسابات هذا المراقب هي حسابات كثيرين منا، نحن السوريين. حسبناها مراراً وتكراراً، و»ما كانت تزبط». في الأصل، لدى كلٍّ منا خبرة شخصية واسعة تؤكد له أنها لن «تزبط». وتجارب اليوم تؤكد الشيء ذاته. الخيارات التي عُرضت علينا بعد كل هذا الكفاح وهذه الآلام الرهيبة هي تغييرات شكلية لا تمس النظام في مواطن السلطة الفعلية فيه، «الدولة الباطنة». يريد جميعنا وقف سيل الدماء وزحف الخراب، ولكن لا أحد يرضى غنيمة من هذه الوثبة التاريخية بالإياب إلى حكم «سيد الوطن»، ومخابراته وإعلامه وحزبه وصوره، وأبيه…
الصفة المأسوية للصراع السوري مكتوبة هنا: الموالون مصرون على حماية النظام العائلي ولو بحرق البلد، والثائرون ليسوا مستعدين للعيش في البراز، أياً يكن الثمن. وحده باب الموت يبقى مفتوحاً.
بعد كل حساب، المراقب المفترض لن يقترح شيئاً.
إن كان مقيماً في البلد ربما انزوى على حياته الخاصة، وصمت.
المشكلة أنه حين لا يكون هناك كلام إنساني واضح يقال، هناك كلام إلهي جاهز لأن يُستظهر. وحين لا يفيد الشرح، راية «الفعلجيين» هي ما يعلو.
أو قد يهاجر مراقبنا من البلد إلى منفى آمن، بعيداً من الخراب والنظام معاً. له أسرة وأطفال…
كان هذا خيار كثيرين قبل جيل وأكثر، ولقد أورثنا خراباً مركّباً ووسخاً كثيراً.

ياسين الحاج صالح – الحياة 

 

كافة المنشورات, آراء و مقالات

هل توجد «علوية سياسية» في سوريا؟ .. ياسر نديم سعيد

 هل توجد «علوية سياسية» في سوريا؟ .. ياسر نديم سعيد 

مقدمة

هل يمكن الحديث عن «علوية سياسية» في سوريا كما نتحدث في لبنان عن «المارونية السياسية»؟

yaser

نقرأ هنا وهناك أحياناً عن «علوية سياسية» أو «نصيرية سياسية»، ولكن هذين التعبيرين يستخدمان في سياق الحديث المستطاب مؤخراً عن مؤامرة علوية نصيرية شيعية، وعن هلال شيعي… وعن الاستقطاب السني-الشيعي العريض الذي درج كثيراً في الأدبيات السياسية بعد الغزو الأميركي للعراق.

لا يوجد في الثقافة السياسية للنظام السوري أو المعارضة السورية تداول لهذا التعبير

 رغم أنه أقدرعلى فهم كثرة المؤيدين للنظام الاسدي من كافة مكونات المجتمع السوري  (أكثر مثلاً من مفهوم«المنحبكجية» الأثير على قلوب البعض). العلوية (بعكس المارونية) في سوريا

 كلمة لا تحيل إلى التمدن، بل تحيل إلى الريف القادم حديثاً للمدينة بكل ما يحمله من فقر وجهل وعزلة، وإلى الانقلاب العسكري الذي جلب العسكر الريفيين للحكم بالقوة على حساب أهل المدن.

كيف عبَّر المركب الأسدي العلوي في النظام السوري عن نفسه منذ عام 1970؟ 

مفاهيم النظام الاستبدادي الشمولي لحزب البعث هي السائدة في الأدبيات السياسية حتى الآن رغم أنه أثناء نشاط رفعت الأسد في سوريا (رابطة خريجي الدراسات العليا مثلاً)

 وبروز بعض المثقفين العلويين الموالين له سرت شائعات في السبعينيات عن إمكانية تخلي النظام عن الغطاء البعثي والكلام عن النظام الأسدي مباشرة (ترافقت مع محاولات البعض تعظيم شخصية رفعت الأسد)، وقد كان رفعت الأسد الأكثر تأثراً بأنظمة الحكم العربية الملكية الوراثية (حتى في زواجاته المتعددة على طريقة الأسر المالكة لتكثير نسل الأسرة الأسدية المالكة أو الحاكمة على حد تعبير باتريك سيل).وسرعان ما خرج رفعت الأسد من الحكم ومن سوريا، واستمر النظام الأسدي

في سردياته البعثيةالقديمة المتجددة. لو لم يطل عهد الأسد الأب لثلاثين عاماً ولو لم يعقبه توريث الحكم لابنه لكان الحديثأسهل «فيما بعد» عن مرحلة الأسدية السياسية «السابقة»، وعلى الأغلب لن يتم الحديث أيضاً عن«علوية سياسية» إلا ما بعد رحيل عائلة الأسد، فيما إذا ظل النظام السياسي نفسه قائماً دون تغيير جوهري.

ولما كان القاموس السياسي الرسمي المتداول في سوريا مغلقاً على لغة محددة ومحدودة لا يمكن تجاوزها في ظل نظام شمولي بعثي، فقد انطلقت ألسنة وأقلام موالية للنظام الأسدي  لبنانية بشكل خاص وأجنبية لشرح المفهوم الأسدي للحكم في سوريا كسياسة خارجية بالدرجة الأولى (أتيح لأجانب فقط الكتابة في السياسة الداخلية كما فعل باتريك سيل أثناء عرضه لسيرة الأسد الاب في كتابه الشهير).وقد كان ملفتاً للانتباه بعد وفاة حافظ الأسد اعتماد الفضائيات السورية على لبنانيين للتكلم عن شخصية حافظ الأسد وأسلوبه في الحكم وسياساته إلخ

 (لأن كلام السوريين في هذا المجال كان محظوراً خارج اللغة الفقيرة المتاحة!)، ثم ورث بشار الأسد الحكم والملك واستمر الحديث السياسي في استخدام اللغة السياسية القديمة مضيفاً لها «إصلاحات» بشار وشخصيته الخاصة وأسلوبه في الحكم مما هومعروف للجميع.

لماذا لم يمكن الحديث بصراحة وبطريقة مباشرة عن «علوية سياسية»؟

• بسبب استمرار وجود «الأسدية السياسية» المؤسِّسة كرمز وكمعاني كامنة عبر التوريث في نفس العائلة الأسدية.

• لأن الطائفة العلوية جرى استثمارها سياسياً في الأصل في نظام الرموز والمعاني البعثية القديمة والجديدة من قومية وعلمانية وممانعة ويسارية إلخ.. وعائلة الأسد ليس لها شرعية دينية أو إقطاعية داخل الطائفة العلوية خارج شرعية التشبيح الصرف الذي فرضها قسراً.

• لأن الطائفة العلوية لا تحوز على أكثرية عددية في سوريا، وإن أصبحت أكبر «أقلية» في مواجهة«الأكثرية» السنية.

• لأن الطوائف الأخرى المسيحية والدرزية والاسماعيلية والشيعية إلخ جرى تعبئتها في نظام الحكم باستخدام نفس نظام الرموز والمعاني البعثية السورية المعروفة… هذه الطوائف كانت تختبئ في النظام الأسدي وخلف الطائفة العلوية السياسية التي برزت للمقدمة، وبنفس الوقت فإن هذه الطوائف ليست لها علاقات جيدة مع الطائفة العلوية (كطائفة اجتماعية مقابل طائفة اجتماعية) إلا في سياق نظام مثل النظام الذي بناه الأسد في مواجهة «السنية السياسية» الكامنة في «الأكثرية» السورية.

• لأن الطائفة العلوية ليست طائفة دينية ظاهرية بل هي من الطوائف الباطنية التي تعتمد على التقية،ولا يمكنها السلوك سياسياً بشكل مكشوف مثل الطائفة الشيعية الظاهرية أو المسيحية المارونية. كما أنعائلة الأسد لم تترك أي مرجعية دينية مؤسسة أو أية مرجعية أخرى سواها في الطائفة العلوية.

• لأن سوريا لا حدود جغرافية لها مع إيران بل حدودها الأطول مع تركيا،

 أما العراق فبالعكس تتركز الجغرافية السكانية فيه قريباً من إيران وليس قريباً من سوريا. والجميع يعرف الصراع التاريخي بين حزبي البعث «السني» في العراق و«الشيعي» في سوريا الذي ارتدى دائماً أغطية أيدلوجية مزيفة. لم يتمكن النظام الأسدي أيضاً من الاستثمار سياسياً بشكل مباشر في العلويين في تركيا بسبب الفروق العديدة بين العلويين الأتراك والعلويين العرب تاريخياً

وبسبب قضية لواء اسكندرون والتفاهمات السياسية العديدة التي فرضها النظام الحاكم في تركيا بالتهديد بالقوة العارية.

لماذا ظل مفهوم «العلوية السياسية» كامناً بعد اندلاع الثورة؟

عندما اندلعت الثورة السورية عملت ظروف مختلفة أهمها سياسة النظام الأسدي تجاه الثورة على بروز استقطاب سني-علوي واضح، وطلب النظام الأسدي من بقية الطوائف مواقف معلنة تأييداً لهوضد الثورة (جرى ما يشبه ذلك في الثمانينات ولكنه لم يكن واضحاً ومتواتراً وملحاً كما هو اليوم).ومع ذلك كله لم يصل الخطاب السياسي للنظام الأسدي بعد إلى مرحلة الحديث عن علوية سياسية فيظل التركيز الكبير على بشار الأسد كرمز شخصي لسوريا كلها.

كان لهذا المصطلح «العلوية السياسية» أن يوضح بشكل أفضل كل مفاهيم النظام الأسدي في الحكم داخلياً وخارجياً وطريقة تعامله مع مكونات المجتمع السوري وتعامله مع دول الإقليم،  وطريقة تعامله مع دول العالم كافة. يمكن لهذا المصطلح أن يوضح التضاد الحاصل بين جمهورية الاستقلال الأولى، والجمهورية البعثية الأسدية من جهة، وبين الاستقطابات الاجتماعية والسياسية الحاصلة  في المجتمع السوري خلال الثورة السورية والتي ستؤدي غالباً إلى جمهورية سورية جديدة (ثانية أو ثالثة) وبينالنظام الأسدي من جهة أخرى. ولعل الظرف الإقليمي المحيط بسوريا  وما فيه من استقطاب سياسي(سني- شيعي) يدعو أكثر إلى تبلور مفهوم «العلوية السياسية» في نهاية المطاف إذا لم تحصل اختراقات في مسار الثورة.

أكبر مشكلة معيقة لتبلور هذا المفهوم هو تفضيل الأنظمة العربية السياسية الموجودة للاستثمار مباشرة في القوم السني السوري في مقابل القوم العلوي السوري والأقوام الدينية والإثنية الأخرى. وفي هذا المجال يمكن الحديث أكثر عن إثنيات علوية وسنية، وليس عن طوائف، خصوصاً مع ظهور عنصرية عدوانية في العنف الممارس من قبل النظام الأسدي تجاه مجتمع الثورة والتشابهات المتزايدة دائماً معسلوك العنصرية الصهيونية (اليهود في فلسطين هم «أقلية» أيضاً في المحيط الإسلامي الكبير).

لماذا الحديث مهم في «العلوية السياسية» أيضاً؟

بسبب موقف المثقفين والنخب العلوية في الثورة السورية وسكوت معظمهم  عن المركب الطائفي السياسي للنظام في مقابل الاستمرار في استخدام الأدوات المعرفية السياسية التقليدية (نظام أمني استبدادي شمولي بعثي ممانع… الخ)، وهذا كله ناجم عن غياب دراسات سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسايكولوجية عن تركيب النظام الأسدي المعقد في سوريا، وكذلك تركيب المجتمع السوري كله .ويمكن هنا إضافة ملامح لوجود حتى «علوية سياسية معارضة» في قلب المعارضة السورية نفسها(انظر السلوك السياسي للكثير من المثقفين العلويين «المستقلين» أو في حزب العمل الشيوعي وحزبالبعث الديمقراطي وتيار بناء الدولة وهيئة التنسيق… الخ).

إن تاريخ سوريا السياسي مختلف في أساس تكوينه عن تاريخ لبنان السياسي (النظام المركزي السياسي في سوريا مقابل نظام المحاصصات الطائفية في لبنان)، وهذا له أساس في توافقات البورجوازيةالوطنية السورية واللبنانية على الاستقلال الأول للبلدين عن فرنسا (واستقلال لبنان عن سوريا أيضاً).

ولكن كان لسوريا كنظام سياسي بعد انقلاب البعث وبعد الحركة التصحيحية نوع من المحاصصة الطائفية غير المعلنة في الوظائف العسكرية والسياسية وفي الإدارة العامة للدولة ويمكن لأي متتبعملاحظة ذلك بسهولة.

الكثير من المثقفين العلويين كان لديهم انحيازات طائفية «اجتماعية» مستترة  مع النظام الأسدي أوطائفية «سياسية» غير معلنة أيضاً تحت أغطية أيدلوجية مختلفة (الوقوف مع «الدولة» السورية،الوقوف مع «الجيش العربي السوري»، الوقوف مع «سورية» الخ).

مع تزايد عدد العلويين في المناصب المهمة في الجيش والأمن والإعلام والوظائف العامة والأعمال التجارية النظامية (القائمة على الامتيازات والاحتكارات) وغير النظامية بما فيها الشبيحة في ريفومدن الساحل السوري، وبالتوازي مع بروز مثقفين كثر من العلويين المؤيدين أو المعارضين للنظام السياسي وحيازتهم لجزء مهم من الفضاء العام، ومع توريث النظام الجمهوري في نفس العائلةوتوريث الجيل البعثي الثاني (من العلويين) أيضاً في ازدواجية الفساد: السلطة والثروة، مع كل ذلكأمكن الحديث عن جيلين متعاقبين من العلويين عاشا في ظروف متشابهة مما سلط الضوء على هذه الطائفة كطائفة حاكمة ذات امتيازات من قبل باقي مكونات المجتمع السوري الكبير، وبرز بشكل خاص اولئك النخبة العلوية الذين يمكن دائماً تسميتهم وعدهم في قوائم (كما يتم بشكل شائع بالنسبة لقادة الأجهزة العسكرية والأمنية)، في حين بقي سائر أفراد الطائفة غير المعروفين يعيشون مثل غيرهم من أبناء الأرياف (من مكونات المجتمع السوري الأخرى)

 سواء بقوا في الريف  أو هجروه إلى المدن.

وقد تعززت أيضاً صورة العلويين عن أنفسهم بصورة إيجابية هذه المرة قياساً لما كانت عليه قبل جيلين من الآن فقد أصبح لهم رموزهم المعروفة في كل شيء تقريباً في الحياة العامة: السلطة والثروة والشهرة والثقافة والتكنوقراط، وظهر ذلك في الثقافة الشفاهية المتداولة بينهم والتي لم تتجرأ بعد إلىالظهور العلني بشكل ثقافة مكتوبة ومفكر بها.

ماالذي سيشجع على بروز «العلوية السياسية»؟

• لم يحاسب النظام أي رمز علوي في السلطة العسكرية والأمنية منذ اندلاع الثورة  حتى الآن.

• زوال الرموز والمعاني السابقة (البعث-التماثيل-الصور-الشعارات).

• انتقال مفهوم «الضحية» العنيفة في سلوك العلويين المجرمين إلى عنف  المجرم المستبد العنصري.

• بروز المكون الإثني العلوي أكثر من المكون الطائفي.

• تطور حماس بعض العلويين لمواصلة «الحرب» ضد السنة.

• تطور موقف المثقفين والنخب العلوية من النظام الأسدي إيجاباً أو سلباً.

من المهم عند التفكير في سلوك الطائفة العلوية في الثورة السورية الفصل بين التفكير فيها كطائفة (أوإثنية) اجتماعية، أو كطائفة سياسية،

أو كـ«علوية سياسية» أي منظومة مفاهيم تحتكر رؤية خاصة عن«سوريا» كمجتمع ودولة. إن علاقة النظام الأسدي بهذه المستويات الثلاثة مختلفة ومعقدة ومتغيرة.

المصدر : موقع الجمهورية therepublicgs.net