كافة المنشورات

سوريا للجميع – رشا عمران

أحياناً يثير منشور على “فيسبوك”، كتبه أحدهم في لحظة ضجر أو قرف أو غضب، نقاشاً ما، أو تفكيراً عميقاً، بما وصلت إليه حالنا، نحن السوريين الموزّعين في شتى أنحاء الأرض، فقبل أيام كتبت شاعرة سورية مقيمة في سورية منشوراً تقول فيه ما معناه، إن سورية هي للناس الذين ماتوا فيها وظلوا فيها، حتى بعدما تم قصف بيوتهم فوق رؤوسهم. وذكرت أسماء مثقفين ظلوا في سورية. وقالت إن سورية هي هؤلاء، وهي لهم، لا للآخرين الذين خذلوا سورية، وتنكروا لها، “ممن يسمون أنفسهم نخبة سورية”. والآخرون الذين تقصدهم الشاعرة هم جميع المثقفين (كتاباً وفنانين) الذين خرجوا من سورية لأسباب متعددة، وأقول (جميع) لأنها لم تخصّص في منشورها أحداً من الخارجين، مع أن الخارجين من هؤلاء (النخبة) خرج كل واحدٍ منهم لسبب مختلف عن سبب الآخر، وإن كانت أسباب بعضهم هي مجرد البحث عن الأمان أو القرف من الحرب، وهذا من أول حقوق البشر، فإن لبعضهم الآخر أسباباً موجبة للخروج، فمنهم من كان ملاحقاً أمنياً فعلاً، ومنهم من وصلت الحرب إلى باب بيته، ومنهم من فقد بيته وعائلته، ومنهم من أراد النجاة بأولاده بعيداً عن الحرب والموت والدمار. لكل منهم أسبابه، وكل سببٍ يستحق أن يفكر صاحبه بالبحث عن حياة جديدة آمنة له، إن كان وحيداً، ولعائلته وأولاده صغاراً وكباراً.
طبعاً، وككل حالة خلافية سورية. لم يمرّ المنشور مرور الكرام، فالمنشور مستفز فعلاً في صياغته وتعميميته، وهو يدل على خلافٍ حقيقيٍّ ستكون له نتائج وخيمة حين تحصل المعجزة، ويتفق المجتمع الدولي على حل نهائي للقضية السورية، فالمشكلة الكبرى في التعميم هي في النظر إلى (الآخرين) بوصفهم كتلة واحدة مصمتة، لا يمكن اختراقها، ولا مجال للتعرّجات والانحناءات فيها. يحدث هذا في الحديث عن الأديان والطوائف والأعراق والشعوب، ويحدث أيضاً بين سوريي الداخل وسوريي الخارج. يصف بعض السوريين (المثقفين) المقيمين في الخارج كل (المثقفين) الذين ظلوا في سورية بأنهم مؤيدون لنظام الأسد، فمجرد بقائهم خارج الاعتقال، أو لمجرّد أن بعضهم يسافر ويعود إلى سورية هو دليل على تعاملهم مع النظام. وفي هذا الوصف إساءة مقصودة، وكأنه مطلوبٌ من الجميع أن يكونوا متشابهين بالمصير والمسار، وكأن المطلوب هو تفريغ سورية من الجميع، بينما يفترض أن يكون أول مطالب المثقفين هو تأمين عودة الجميع إلى سورية بضمانات دولية، والبدء من جديد بمرحلة نضالية جديدة للتخلص من كل آثار الاستبداد، بعد فشل أساليب الثورة الأولى، وتحولها إلى حرب قذرة، دمرت ماضي سورية والسوريين وحاضرهما ومستقبلهما.
في المقابل، يعمّم بعض (المثقفين) المقيمين في سورية نظرتهم إلى كل (المثقفين) الذين اختاروا الخروج من سورية، والعيش في أماكن أخرى، فهم، حسب هؤلاء، منتهزو فرص، وكاذبون ومدّعون، ويقبضون ثمن مواقفهم، وخذلوا سورية، وخذلوا الثورة التي يدّعون أنهم أصحابها، بينما الصادقون هم الباقون في سورية حتى الآن. وهذا أيضاً تعميم مجحف، وفيه استعلائية مقابلة لاستعلائية بعض من في الخارج تجاه الداخل، فكما قلنا سابقاً، لكل سببه الخاص في الخروج من سورية. والبحث عن الأمان الشخصي حق من الحقوق الإنسانية. ليس الجميع أبطالاً، وليس المطلوب من الجميع التضحية، وكل خيار شخصي يجب أن يُعامل بمنتهى الاحترام، ليس من حق أحد إصدار الأحكام على الآخرين بناء على خياراته الشخصية، كما ليس من حق أحدٍ تعميم وجهة نظره على الجميع.
الأمر المحق في نظرة من بقوا في سورية تجاه بعض الخارجين منها هو في مطالبة هؤلاء السوريين في الداخل بالصمود ومواصلة الثورة، وهم يعيشون في أماكن نجاتهم وأمنهم الشخصي، فعلى من يريد مواصلة الثورة أن يكون حيث تكون الثورة، في داخل سورية. النضال الفيسبوكي والبعيد مجرّد ادعاء لا أكثر، ومطالبة السوريين الصمود في ظل أوضاعهم الأمنية والاقتصادية السيئة غير أخلاقية. المطالبة المحقّة هي في وقف نزيف الدم السوري، وفي إيجاد حل سريع يحل أزمة المعتقلين والمختفين، ويضمن عودة آمنة للمهجرين والراغبين بالعودة إلى سورية، كي يبدأ الجميع معاً التفكير بمستقبلٍ آخر لسورية.

رشا عمران – العربي الجديد

Advertisements
كافة المنشورات

سامي كليب يرد على اللواء بهجت سليمان 

تعليقا على كل الرسائل القيمة التي وصلتني ردا على رسالتين من مواطنين سوريين يشكوان الأوضاع السياسية والأمنية والإعلامية في سوريا اود أن أقول التالي :

· بعيدا عن بعض التشكيك الذي طرحه البعض حول هدف النشر، أؤكد اني شخصيا اريد لسوريا ان تعود قوة وجميلة وذات دور محوري وان بلد الحضارة والتاريخ والعروبة والنضال والعراقة والحب والجمال والياسمين هو عمقنا العربي الأصيل الذي بدونه سنكون كالجسد بلا قلب…. لذلك دافعنا وندافع عن عروبتنا حين وقفنا الى جانبها، ولا منّة لأحد اذا ما وقف موقفا نبيلا وشريفا مع دولة عربية اصيلة مقاومة تتعرض للتدمير …. لكن من يحب سوريا عليه أن يسمع نبض ناسها وأن يسعى أيضا الى لفت النظر الى خلل يحصل هنا او تجاوزات هناك….. ذلك ان من لا يريد ان تُسمع هذه الأصوات هو نفسه من ساهم في تدمير النسيج الاجتماعي لسوريا بسحق كرامات البشر حين كانت لديه بعض السلطة الامنية، وبالقاء التهم على الناس بأن هذا مخبر وذاك عميل ( بينما هو يتربع على ثروة مشبوهة وتاريخ امني وسياسي مشبوه ويتهم الإعلاميين كي يردوا عليه ويعود إلى الضوء 😃 ) …..ويقيني أن القيادة السورية تعرف كثيرا من هؤلاء ولعلها أوقفت بعضهم عن العمل بصمت، فما عاد عندهم الا كيل الشتائم للناس او الإفادة من الحرب وادعاء البطولة .

· انا اذ اطرح هذه الرسائل للنقاش اليوم، ذلك لأننا دخلنا في عصر المصالحات، ومن غير الطبيعي ان يكون الرئيس بشار الأسد قد أعطى الضوء الأخضر للعفو والمصالحات، ويستمر بعض أصحاب المصالح باعاقة هذا المسار، لان استمرار الحرب يخدم اماراتهم المالية ويخنق الناس

كافة المنشورات

تدمر كسياسة، عن المصنع السري للدولة الأسدية. ياسين الحاج صالح 

 تدمر كسياسة: عن المصنع السري للدولة الأسدية


مثلما هناك دولتان: ظاهرة وباطنة، في «سورية الأسد»، وأمتان: أمة السوريين البيض من أصجاب الامتيازات السياسية والمادية، وأمة السود من المحرومين المحتقرين، ومعارضتان: معارضة الدولة الظاهرة ومعارضة الدولة الباطنة، ودينان: مذاهب الإسلام والمسيحية والإيزيدية…، ثم الديانة الأسدية، هناك أيضا تدمران: تدمر الظاهرة، المدينة الأثرية القديمة التي هي مقصد السواح من البلدان الغنية، ثم تدمر الباطنة، السجن الرهيب الذي قد يكون الأسوأ عالمياً.

كان من نصيبي، مثل كثيرين، أن أرى السجن، بل أن أخبر السجن ولا أراه، قبل أن أرى المدينة السياحية. هذا لأن الواحد منا لا يرى الوحش حين يكون في جوفه، لا يخرج منه ولا يرفع رأسه في داخله، ولا يجول في أرجائه. قضيت في تدمر الباطنة بالكاد عاماً واحداً، 1996، معظم زملائي، ومعظم نزلاء تلك المطحنة البشرية، أقاموا فيها فترة أطول، وخبروا أوضاعاً أقسى. وفقط بعد نحو عقد من خروجي من تدمر الباطنة زرت تدمر الظاهرة، وقت كان يجري تصوير فيلم رحلة في الذاكرة ((الفيلم متاح على اليوتيوب.))(أخرجته هالا محمد) مع فرج بيرقدار وغسان جباعي الذين قضيا وقتاً أطول مني في تدمر الباطنة.

لن أتكلم هنا على شروط العيش في تدمر الباطنة. سبق لأصدقاء وزملاء أن تناولوا ذلك بصورة شافية، مصطفى خليفة وفرج بيرقدار وراتب شعبو وبراء السراج، وتناولت جوانب منه أنا نفسي في مواد نشرت في بالخلاص، يا شباب!.((بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية– ياسين الحاج صالح (دار الساقي، 2012).)) هذه المقالة تتكلم على «معنى» سجن تدمر، وتربط بين بنيته وعالم الممارسات التدمرية، وبين بنية النظام وعالم ممارساته.

 

1

تدمر مدينة بعيدة نسبياً عن العمران الحضري السوري، في الصحراء. هذا معطىً أول، مفاده عزل السجناء بعيداً عن المدن والأرياف العامرة، بعيداً عن أهاليهم. الواحد منا معتقل و«منفي» معاً في تدمر. كان الفرنسيون بنوا السجن كمنفى في مطلع ثلاثينات القرن العشرين، ويبدو أنه كان مخصصاً بصورة أساسية للعسكريين، لكن سجن فيه سياسيون أيضاً، كان منهم مثلا نور الدين الأتاسي أيام حكم الشيشكلي في سنوات الخمسينات الباكرة (الرجل صار فيما بعد رئيساً لسورية في أواخر ستينات القرن العشرين، لكنه قضى الأعوام الـ22 الأخيرة من عمره في سجون حافظ الأسد). غير أن السجن استخدم على نطاق واسع لمعارضي النظام السياسيين في أواخر سبعينات القرن العشرين.

[quotes]كان رفعت الأسد، بطل المجزرة، قد تكلم على لجان للتطهير القومي تتولى، عبر تسخير السجناء، «تخضير الصحراء». نظرية التطهير هذه جرى تطبيقها فعلاً، لكن اختير تحمير الصحراء بالدم بديلاً عن تخضيرها![/quotes]

كان من الوقائع الكبرى التي «عمّدت» السجن مذبحة تدمر في 27 حزيران 1980، حيث يقدر أن ما بين 500 و1000 من المعتقلين الإسلاميين قد قتلوا على يد عناصر سرايا الدفاع الذين كان يقودهم رفعت الأسد، شقيق حافظ، وعم بشار. وقعت المذبحة بعد يوم واحد مما كان يظن أنها محاولة اغتيال فاشلة لحافظ. أقول «كان يظن» لأنه حسب مذكرات فاروق الشرع التي نشرت قبل حين وجيز((الرواية المفقودة– فاروق الشرع (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015).)) رُميت على حافظ قنبلتا تدريب بدائيتان، لا تقتلان، لكنهما تُسببان خدوشاً. كان حصول مجموعة الاغتيال على قنابل فعالة ممكناً، حسب الشرع، الذي يقول إن المجموعة فرّت، ولا يبدو أن أحداً منها اعتقل. ويتساءل وزير الخارجية السابق في مذكراته عما إذا كان الهدف هو القول لحافظ إننا نستطيع قتلك لو أردنا. الشرع يقول إن أحد حراس حافظ الذي رمى نفسه على أحدى القنبلتين كان «مخردقاً»، ولا يقول إنه مات. ويبدو أن الرجل لم يمت فعلاً. وما يمكن استخلاصه من ذلك أن حافظ ما كان ليُقتَل في أية حال، وأن محاولة الاغتيال قد تكون مفبركة كلياً، بغرض استخدامها لإطلاق يد البطش في المجتمع ككل وتأديبه، وقت لم يكن مقطوعاً به أن النظام منتصر في الصراع. مذبحة تدمر، بهذا المعنى، فعل تأسيسي مدبَّر المقدمات بغرض التأديب الاستعماري للسكان. محاولة الاغتيال المزعومة هي الذريعة المباشرة. وسجن تدمر ككل، إن صح هذا التقدير، يغدو معكسر تأديب عام للسوريين، الهدف منه إبادتهم سياسياً، مثلما دأبت إسرائيل أن تفعل بخصوص الفلسطينيين. قبل شهور من المذبحة، وفي مؤتمر لحزب البعث، كان رفعت الأسد، بطل المجزرة، قد تكلم على لجان للتطهير القومي تتولى، عبر تسخير السجناء، «تخضير الصحراء». نظرية التطهير هذه جرى تطبيقها فعلاً، لكن اختير تحمير الصحراء بالدم بديلاً عن تخضيرها! ((النص الكامل لكلمة رفعت الأسد أمام المؤتمر القطري السابع لحزب البعث على موقع اللجنة السوريّة لحقوق الإنسان.))

وما يعزز من هذا التقدير أنه بعد عشرة أيام فقط من المذبحة، في السابع من تموز عام 1980، صدر القانون رقم 49 الذي يقضي بالإعدام على منتسبي الإخوان المسلمين، الأمر الذي يحتمل أنه كان مبيتاً بانتظار تهيئة مناسبة. قد نلاحظ أن الحكم بالإعدام، وقد نفذ على نطاق واسع في السنوات التالية، ليس مستحقاً على أفرراد قاموا بأفعال جرمية بعينها، بل على واقعة الانتساب، دون أن يكون المنتسب المفترض اقترف أي سوء بالضرورة. أي أن الإعدام استهداف لما تعتقده مجموعة بشرية ولما تكونه، وليس لما يحتمل أن أفرادا منها فعلوه، كأن تجرِّم شخصاً وتعده للإبادة لأنه فلسطيني أو يهودي، أو «نصيري» كما يقول السلفيون اليوم في وصف العلويين. والقانون 49 بالتالي تأسيس قانوني للإبادة، تصادق عليه الممارسة الواقعية طوال ثمانينات القرن العشرين وبعض تسعيناته. في مطلع صيف 1979 كانت الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين قتلت عشرات تلاميذ الضباط العلويين في «مذبحة المدفعية» في حلب، وكان ذلك أول فعل إبادة منظمة في تاريخ سورية الحديث. وله ضلع لا ريب فيه في تعزيز نزعات النظام الأسدي الإبادية.

 

2

أعلنت مذبحة تدمر الولادة الدامية لتدمر الباطنة، وكانت تمريناً تأسيسياً كبيراً على رياضة الدم طوال عشرين عاماً قادمة. سجن تدمر هو معسكر الاعتقال الذي كان يجري تعذيب السجناء فيه يومياً على نحو عشوائي طوال عشرين عاماً. وهو المعسكر المغلق دون العالم الخارجي الذي كان يجري فيه إعدام العشرات كل أسبوع، 150 أسبوعياً في الثمانينات، حسب مصطفى طلاس، وزير الدفاع المزمن، الرجل الأجدر من أي منافسين بلقب الأبله السعيد. وليس معلوماً حتى اليوم أين دفن هؤلاء، وهم بالألوف، وربما يقارب عددهم 15 ألفاً.

كمكان، لا يعرف السجناء هندسة المعسكر. قلما نخرج من مهاجعنا، وحيثما خرجنا من باب المهجع (إلى باحته) نكون منكسي الرؤوس بشدة، فإذا خرجنا إلى الإدارة نكون مُطمّشي العيون أيضاً فوق تنكيس الرؤوس. حتى داخل المهاجع رؤوسنا منكسة، وإذا ضُبط أحدنا مرفوع الرأس يتعرض لعقاب عشوائي لا يعرف له مقدار. هذا يعطي السجن خاصية متاهيّة، ويفاقم من ثقله على السجناء. لو تخيلنا أن سجيناً استطاع الخروج من الأبواب الحديدية للمهجع ثم من حوش المهجع، فإنه لن يستطيع أن يشق دربه إلى الخارج لأنه لا يعرف الطريق. لم يكن الحال كذلك في سجنين آخرين قضيت فيهما أوقاتاً أطول. والخاصية الهندسية الثانية لتدمر الباطنة أن للمهاجع شبابيك من سقوفها تسمى «شراقات»، ويراقب السجناء من فوقهم، الأمر الذي يضمر تطلعاً «بانوبتيكيا»، رؤية الناس كلهم من موقع رقابة متعالٍ يحيط بهم دون أن يروه، مما نسبه ميشيل فوكو إلى السلطة الانضباطية الحديثة. هاتان الخاصيتان المتاهية والبانوبتيكية تضعان السجناء في موقع ضائع منسحق. وهما فيما يبدو لي خاصيتان جوهريتان للدولة الأسدية: فبنيانها هي ذاتها متاهي، لا يجيد التحرك في قطاعات منه غير مالكي مفاتيح هذه القطاعات من سادة الدولة الباطنة. ومجموع أجهزة هذه الدولة المتصلة عمودياً بحافظ الأسد، دون اتصال نسقي منظم بينهما، يعطي حافظ موقعاً إشرافياً كلياً (بانوبتيكيا) حيال المجتمع السوري ككل. يراه من فوقه دون أن يكون مرئياً من قبله. إنه السجان العام في سورية المحالة إلى تدمر كبيرة، يراقب سكانها من فوقهم، يراهم ولا يرونه. وموقع «قصر الشعب»، المرتفع والمنعزل، يعطي إلماعة عن موقع السجان العام حيال سجنائه/محكوميه.

 

3

لتدمر الباطنة ثلاثة أركان. أولها الإرهاب، التعذيب والتجويع والإعدام والإذلال؛ وثانيها كونه حيز التقابل الطائفي الأكثر حدة وعدائية؛ ويحيل الركن الثالث إلى العلاقة بين الاعتقال والمال.

لا يتعلق العنف المنظم المستمر في سجن تدمر بممارسات عقابية تجري وفق نسق معين، بل بتعذيب انتقامي إذلالي من جهة، وعشوائي لا يجري على نظام ولا يمكن التنبؤ به من جهة ثانية. وهو ما تفاقمه صفته الاعتباطية: يمكن لأي سجان في أي وقت أن يقرر «تعليم» أي سجين. ليس هناك «أسباب» في عالم تدمر الباطنة. هناك قواعد تملى على النزلاء، ننال عقاباً قاسياً إن خرقناها، قاعدة تنكيس الرأس مثلاً، لكن حين لا نخرقها ننال عقاباً قاسياً أيضاً في أي وقت يراه مناسبا «عقل» تدمر. إحالتنا إلى ذلك المكان كانت تعني تعليق منطق وقواعد العالم العادي، أعني عالم السجون «العادية» التي هي ليست عادية بحال (توقيف عرفي مديد دون حقوق محددة، أحكام غير متناسبة، دون ضمان بالإفراج وقت إنهائها، وقبل كل ذلك تجربة الاعتقال والتعذيب الروتيني على يد أجهزة حراسة النظام)، وهذا في بلد كان يعيش أوضاعاً قانونية وسياسية غير عادية منذ 33 عاماً وقت إحالتي وزملاء آخرين إلى تدمر الباطنة. فإذا كانت الحياة في البلد غير عادية، وفي السجون الأخرى غير عادية بصورة مضاعفة، فإنها في تدمر غير عادية بصورة مثلثة، عالم جحيمي من انكشاف تام وإباحة تامة.

ورغم السببية المرفوعة في تدمر الباطنة كان مستغرباً أن أحلنا إليه مطلع 1996 من قبل «عمال» السجن، كان ظاهراً أننا لسنا إسلاميين، وكانت انقضت سنوات على جلب أي شيوعيين إلى المعتقل. استخلصوا سريعاً أنه لو لم نكن «أولاد قحبة» لما أرسلنا إليهم. هناك عقل قدير في مكان ما قرر تحويلنا إلى عالم الباطن ذاك، وهذه سببية كافية من وجهة نظر «العمال».

وليس المقصد من التعذيب والإعدام والترويع في تدمر الباطنة هو تحطيم المسجونين، أفراداً ومنظمات، أو حتى بيئات اجتماعية ينحدرون منها، بقدر ما هو تربية المجتمع السوري ككل تربية ملائمة، وغرس الذاكرة والمنعكسات الشرطية المناسبة في أذهان السوريين بما يبقي عيونهم مكسورة أمام النظام. التشريفة، أي حفلة التعذيب التي نستقبل بها، ثم عيشنا هناك منكسي الرؤوس والأصوات، نتكلم همساً، ومحلوقي الشعور والشوارب، ومطمشين وقت النوم والخروج إلى ما يتجاوز حوش المهجع، كل ذلك استعارات مثلى للحياة المثلى التي تصبو إليها الدولة الأسدية من عموم محكوميها. تدمر هي الدرس الذي لا ينسى، الذي يراد له ألا ينسى ولا يتقادم، الذي لقنته الدولة الأسدية للسوريين. لكنه أيضاً الدرس الذي لا يُذكر علانية أبداً ولا يجري تداول عام بشأنه، بفعل خوف شالٍّ، يدفع السكان إلى الانكفاء على عوالمهم الضيقة وعدم الثقة بـ«الغرباء».

[quotes] تدمر هي الدرس الذي لا ينسى، الذي يراد له ألا ينسى ولا يتقادم، الذي لقنته الدولة الأسدية للسوريين.[/quotes]

وكان المستهدف على نحو خاص وقتها هم الإسلاميون، الخصم الأقوى الذي يملك عقيدة وانضباطاً ووزناً اجتماعياً، وعمل على كسر احتكار الدولة الأسدية للعنف. لقد حُبس يساريون في ذلك السجن، وكنت منهم، وقضى بعضنا سنوات فيه، تحت شروط مروّعة. لكن لم يقض أي يساريين كل سنوات سجنهم فيه، ولا قتل أي واحد منا تحت التعذيب في تدمر الباطنة (قتل يساريون تحت التعذيب في المقرات الأمنية). وهذا يطل على الصفة التمييزية الجوهرية للنظام ككل، ويلقي بعض ضوء على حالنا اليوم. تواتر غير مرة أن دواعش كان يعذبون ضحاياهم، ويقولون لهم: هذا ربع ما رأيناه في سجن صيدنايا!((عن شهر اعتقال لدى داعش– أحمد ابراهيم (الجمهورية، 14 كانون الثاني 2015).)) الأخير هو السجن الذي حل محل سجن تدمر الذي قيل إنه أغلق في عام 2002. وقد عمِّد هو الآخر بالدم في مذبحة أوقعت عشراتٍ عام 2008، إثر تمرد سجناء إسلاميين فيه. كان بطل المذبحة الجديدة هو ماهر الأسد شقيق بشار ونظير رفعت بطل مذبحة تدمر. لكن السجناء هذه المرة كانوا سلفيين وسلفيين جهاديين، أي مجموعات أعصى تدبراً وأمنع على السياسة من الإخوان. وهذا هو اتجاه التطور الذي أتاحته نحو أربعة عقود من الدولة الأسدية للسوريين.

إلا أن هيومان رايتس ووتش تكلمت في تقرير بعنوان «بأية طريقة»، صدر في الشهر الأخير من عام 2011، عن أن السجن أعيد استخدامه للمعتقلين السياسين، وقدرت عدد نزلائه وقتها بنحو 2500. ووفاء لغرائزها الدموية، عمدت الدولة الأسدية إلى تعميم تدمر الباطنة على سورية كلها حين بدا أن السوريين نسيوا الدرس الذي جرى تلقينه لهم طوال عشرين عاماً. وإنما بفضل تعميم تدمر الباطنة من جهة، وظاهرة الإنشقاقات في عامي الثورة الأولين من جهة ثانية، أمكن أن نرى لأول مرة بقدر من الوضوح البنية المزدوجة لسورية الأسد. الحرب الأسدية هي ظهور الباطن الوحشي الذي كان محجوباً، بينما الانشقاقات هي تقشر الظاهر الذي كان يقوم بالحجب، دون أن يؤثر على الدولة الباطنة في شيء.

عناصر داعش يقومون بتفخيخ السجن.

عناصر داعش يقومون بتفخيخ السجن.

 

4

الخاصية الثانية لتدمر الباطنة هي كونه مساحة التقابل الطائفي الأكثر عرياً وفظاظة في البلد. معظم السجناء إسلاميون، سنيون طبعاً. وقد يكون كل من قتلوا في السجن منهم، ومن جرى تخصيصهم دوماً بالتعذيب الأشد وحشية. بالمقابل، كل قيادات السجن تنحدر من أرومة علوية، فيما يبدو عموم السجانين مختلطي المنابت، لكن مع أرجحية علوية على ما كنا نقدّر، نحن المعتقلون، استناداً إلى اللهجات. وهو، أعني النقاء الطائفي للقيادات واختلاط نسبي لعموم السجانين، يشكل من جديد تناسخا لبنية الدولتين على مستوى تدمر الباطنة ككل. للدولة الباطنة صفة طائفية غالبة هي التي كانت المنبع الديناميكي للطائفية في المجتمع السوري، ولاقترانها بالعنف والكراهية ونزعات الإبادة. وبقدر ما إن معسكر الاعتقال هذا هو في الواقع المعمل الذي يصنع فيه ويعمم «أصنص» السلطة، أعني خلاصتها المكثفة، مزيج العنف والقتل والإذلال والخوف، فيجب أن تبقى إدارة هذا المعمل السري البالغ الحيوية في أيدي أهل الثقة من أمثال فيصل غانم وبركات العش وغازي الجهني.

أود أن أنوه أن هذا الكلام على قيادات من منبت أهلي بعينه وسجانيين أكثرهم من المنبت ذاته تقديراً مشتركاً لنا نحن، سجناء يساريين، كنا ننحدر من جماعات أهلية متعددة، وبيننا رفاق علويون. كان أسهل علينا بكثير الكلام على هذا الشأن وقتها ونحن في السجن، مما هو الآن. من جهة كان الواقع يفرض نفسه ولا بد من الإقرار به. ومن جهة ثانية كانت صفتنا اليسارية والعلمانية المشتركة ضمانة لفصل هذا الإقرار عن نزعات انتقام طائفية، فتجعله ميسوراً، بل تجعل منه الخطوة الأولى نحو تجنب الانتقام. في «اجتماع» لنا بعد أسابيع قليلة من إحالتنا إلى تدمر، وكنا لا نزال تحت صدمة نقلنا إلى سجنها المخيف، بدا لنا، منحدرين من منابت علوية وسنية على الأقل، أن هناك أربع خطوات لتجنب مستقبل من الثأر: جمع الحقائق وبناء الملف الكامل للاعتقال والتعذيب والسجن والقتل؛ الإفراج عن جميع المعتقلين والموقوفين وطيّ صفحة الاعتقال وملف الثمانينات ككل؛ التعويض وجبر الأضرار والاعتذار الرسمي من الضحايا ومن ذويهم؛ وبناء الأوضاع القانونية والسياسية التي تثبِّت طيَّ الصفحة وتكسر دائرة الانتقام.

مرت 15 عاماً كاملة منذ ذلك «المؤتمر» الصغير لخمسة أو ستة أشخاص في مهجع «صدر جديد»، ولم يجر أدنى تقدم على أي من المستويات الأربعة. بالعكس، منذ بني النظام السلالي في عام 2000 انفتح باب التطور نحو مذابح جديدة.

 

5

تتصل الخاصية الثالثة لمعسكر الاعتقال التدمري بما يمكن تسميته الاقتصاد السياسي للاعتقال السياسي في سورية الأسد. كانت الزيارات ممنوعة في سجن تدمر، لكن يبدو أنه كان يمكن تدبر الأمر أحياناً بمشقة وكلفة باهظة. اشتهرت في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين قصة مدير السجن، فيصل الغانم، الذي كانت أمه تقوم بدور سكرتيرة مالية له، تقصدها نساء المعتقلين ليطلبن زيارة الزوج أو الأب أو الابن المغيب، و«يهدينها» مصاغهن الذهبي من أجل الزيارة أو الحصول على معلومة عن مصيره. كان تشدد نظام السجن وقسوته يرفع من الثمن المطلوب من أجل خرق بروتوكوله. وهذا الوجه الخفي من أوجه عالم السجون الأسدي يعطي إطلالة مميزة عن عالم الحكم الأسدي ككل. كل قاعدة يمكن خرقها مقابل الحصول على مال. وعلى هذا النحو، سيطور النظام ميلاً قوياً إلى أن تكون قاعدته الذهبية هي أن لا قاعدة مطردة يمكن أن تضمن للعامة التنبؤ، أو تحمي لهم حقاً وتوفر لهم أمناً. القواعد الأفضل هي التي تيسر وقوع «المخالفات» كي يُغرّم المخالفون أو طالبو الاستثناء المال. القواعد لا توضع كي تُراعى، بل كي تُخالَف. تدمر الباطنة حالة قصوى عن هذا الوضع: القاعدة هنا هي فصل الواقع الآخر وأهله عن المقيمين في الواقع العادي، ويباع بالذهب انتهاك هذه القاعدة الذهبية.

[quotes]سيطور النظام ميلاً قوياً إلى أن تكون قاعدته الذهبية هي أن لا قاعدة مطردة يمكن أن تضمن للعامة التنبؤ، أو تحمي لهم حقاً وتوفر لهم أمناً. [/quotes]

أعيد إنتاج ممارسات الاعتقال على نطاق واسع بعد الثورة وتدمرة سورية (تعميم سجن تدمر على البلد)، ودفعت أموال بالملايين من أجل الإفراج عن معتقلين، أو من أجل مجرد معرفة معلومة عن مصيرهم. هذا نهج تكرس منذ ثمانينات القرن العشرين، وهو يلقي ضوءاً على وقائع الاعتقال السياسي في سورية مغايراً لمقاربتها من زاوية الاعتبارات الأمنية المعدومة الوجاهة قليلاً أو كثيراً، أو من زاوية انتهاكات حقق الإنسان على نحو منظم أو أكثر تنظيماً. يتعلق الأمر هنا بفعل إنتاجي، ترتبط فيه إنتاجية أجهزة الأمن من المعتقلين بالثروات التي يحصلها كبار الدولة الأسدية ومحاسيبهم، أقوياء النظام جميعاً بنسبة قوتهم، على حساب عموم السوريين. فبما أن هناك عدداً كبيراً من المعتقلين بما يكفي لإثارة رعب الجميع من خطر الاعتقال، فإن المجتمع ككل يطور استعداداً لافتداء نفسه بالمال (رشوات نقدية كبيرة أو «هدايا» عينية ثمينة، قطع أرض أو محصولها، عمل مجاني…). وعلى هذا النحو تشتغل مؤسسة الاعتقال السياسي تالياً كآلة نزح  للمال من جيوب السكان، وضمن نظام جباية جائر، مؤسس على القوة. في المحصلة كانت الدولة الأسدية حاضنة تكون فئة اجتماعية منحطة، تكونت عن طريق الممارسات الاحتلالية لهذه الدولة: تضع المسدس في رؤوس الناس فتشلحهم أموالهم، أو التشبيح من أجل التشليح. ولهذا بالذات تحوز هذه الفئة كموناً فاشياً عالياً. ((للمزيد حول هذا الموضوع الاطلاع على نصّ محاضرة للكاتب بعنوان «مغيّبون: تجارب السوريين في التغييب السياسي خلال جيلين» (هامش، البيت الثقافي السوري في اسطنبول؛ كانون الأول 2014).))

 

6

التدمران معاً وقعتا في يد داعش خلال وقت قصير ودون مقاومة فيما يبدو من قبل قوات الدولة الأسدية. لكن تدمر الباطنة كانت مكاناً مهجوراً، خالياً، وكل ما كان في باطنه أخذه المنسحبون معهم. انشغل العالم الأول الدولي، وأمة السوريين البيض أو العالم الأول الداخلي، في الداخل، بمصير تدمر الظاهرة، السياحية. وقوربت قضية سجن تدمر من قبل وسائل الإعلام وفق منطق الذاكرة القصيرة والاستهلاك النهم للمعلومات، ثم نسيانها بالنهم نفسه إن جاز التعبير. لم يُقَل شيء عن بنية هذا السجن ومعناه ووظيفته السياسية، في صلتهما ببنية سورية الأسد ومعناها ووظيفتها. وافتعل البعض، ومنهم سوريون كثيرون، تقابلاً بين البشر الذي يفترض أن حياته عزيزة، والحجر (آثار تدمر) الأقل أهمية. لكن هذه ثنائية اختزالية وضارة جداً. ليست آثار تدمر أو غيرها حجراً، إنها من سجلات التاريخ وتراثه المادي القيّم التي يرفع وجودها من اعتبار البشرية الحاضنة له، فيسهم في حماية حياة الناس فيه. عمل النظام الأسدي دوما على مقاربة الآثار مقاربة سياسوية رخيصة، تكاد تجعل الآثار من إنجازات «الحركة التصحيحية» وفقاً للخطاب الغث السائد، لا مقاربة تاريخية  ديناميكية تربط بين ماضي البلد وحاضره، تجعل من العناية بالسجل الموروث وبالذاكرة المادية للبلد أحد أوجه الاعتناء بحياة السكان والإعلاء من شأنهم، ووجهاً من وجوه تطور البلد ككل. كان هذا الاستملاك الخاص للذاكرة المادية ينزع ملكيتها من يد السوريين ويكمل انتزاع ملكية حاضرهم، ويتوسل مفاهيم مثل «الحضارة» لتعزير سيطرة الأسديين عليهم. كانت «الحضارة» في الزمن الأسدي صفة لأوابد أو لأشياء، ولم تكن في أي وقت صفة لعلاقات وحقوق وتفكير وممارسات. كانت عنصراً من عناصر سلطان حافظ الأسد وسلالته، وليست علاقة السوريين بأنفسهم ويتاريخهم، ولا هي شيء يتعرفون على ذاتهم الفاعلة المبدعة فيه.

 لكن لا ذنب للأوابد الأثرية في ذلك. هذا ذنب سياسة وطغمة، يواجه بسياسة جديدة وبطيّ صفحة الحكم الطغموي، وليس بالخفض من قيمة «الحجر».

وليس هناك غير ما يفجع في وقوع المدينة في يد داعش. من المحتمل جداً أن يجري التعامل مع الأوابد الأثرية بعدائية وإهمال، كأشياء ميتة، إن لم يجر تحطيمها وتدميرها. وهذا إذ يدمر ماضي سورية المادي، فإنه مساهمة كبيرة في تدمير مستقبلها أيضاً. دون آثار تدمر الجليلة وغيرها، سورية أفقر وحياة السوريين ستكون أرخص، هذا حتى دون قول شيء عن أن حياة سكان المدينة اعتمدت في جانب مهم منها على الصناعة السياحية المرتبطة بـ.. الحجر. وليس معلوماً أبداً أن احتقار الحجر سار مع احترام البشر، والعكس صحيح: ليس هناك من يحترم البشر دون أن يحترم أحجارهم. يستوي في ذلك الأسديون والدواعش. من يحترمون البشر يحترمون الحجر وكل ما صنع البشر.

وإذا صحت المعلومات عن تفخيخ داعش لمنطقة الآثار لأغراض عسكرية، فليس في اتخاذ «الحجر» رهينة على هذا النحو ما يقول إن البشر أعزّ من أن يكونوا رهينة للدواعش، بل بالضبط إن داعش تستبطن المنطق السينيكي الدولي والأسدي الذي لم يبال بحياة السوريين يوماً، وانشغل بمصير الآثار. كان سكان تدمر المدينة ملحقون بتدمر الظاهرة، الأثرية، مغمورون مثل كل السوريين ولا اعتبار لهم. كان منهم كثيرون يعيشون من الآثار؟، لكن هل يرونها؟ هل يمتلكونها؟ هذا مشكوك فيه جداً. هم ومدينتهم والآثار فيها ملك للدولة الأسدية.

لكن ماذا عن تدمر الباطنة بعد سيطرة داعش؟ ما يمكن استخلاصه من تاريخ داعش القصير لكن العاصف هو أنها تشبه سجن تدمر: مزيج من مذبحة ومن طائفية جهيرة، ومن التعامل مع المجال الطبيعي والتاريخي والاجتماعي كغنيمة، منهج التشبيح والتشليح ذاته، لكن باسم الله. ولا يبدو إله داعش المكفهر غير حافظ أسد كبير، حقود وبالغ الوحشية، يبهجه ذبح أعداء داعش، ولا يخص بثوابه ونعيمه غير القتلة المكفهرين مثله.

سجن تدمر بعد التفجير.

سجن تدمر بعد التفجير.

 

7

تملكني الحزن حين دمرت داعش سجن تدمر قبل نهاية أيار 2015، حزن شخصي كأنما دمروا بيتي. هذا ربما لأني حرمت من فرصة لزيارة السجن يوماً مع شركاء آخرين من نزلائه السابقين، نقصد أماكننا الشخصية فيه (هنا تلقينا دولاب التشريفة، هنا كنت أنام، هنا كنت أقف كـ«ليليٍ»،…)، ونستكشف ما لا نعرف من زواياه، ويرشدنا الأحسن خبرة بيننا إلى ساحات التعذيب الأقسى ومواقع المشانق، ونخرج منه على أقدامنا. وقد نتمشى على سطوح المهاجع وننظر من «الشراقات» السقفية إلى الباطن الذي كنا فيه. بدخول كهذا في السحن وخروج منه نسترجع ما بقي منا في ذلك المصنع البشع، ونستعيد تكاملنا، ونحبس الحبس خلفنا، لتكون سورية مساحة للتحرر. كان من شأن ذلك أن يمثل لنا، ولكل واحد منا، وبصورة ما للسوريين جميعاً، طيّ صفحة وإعلان تحرر شخصي وعام.

[quotes]سجن تدمر هو بيتي أنا الذي هو أيضاً بيت كثيرين آخرين، وبيت جميع الناس.[/quotes]

تدمير سجن تدمر على يد داعش هو مساهمة كبرى في تدمير فرص التحرر السوري، وإعلان للشراكة الجوهرية العميقة بين الأسديين والدواعش في العداء للذاكرة ومعاداة التحرر.

لكن أكثر من ذلك، سجن تدمر هو بيتي أنا الذي هو أيضاً بيت كثيرين آخرين، وبيت جميع الناس. ذلك المكان الذي عرف أفظع الوحشية والموت والعذاب، قدسته عذابات أولئك الذين أعدموا وقتلو وماتوا، الذين صرخوا واستغاثوا، دون أن يسمع صرخاتهم واستغاثتهم أحد. تلك المتاهة المُرعبة هي أقدس بقعة في سورية، مزار مقدس يحج إليه.

غريزة داعش التي تشبه غريزة الأسديين هدتها إلى أن تدمر هي ذلك البيت الحرام الذي كان يمكن أن يكون أقدس رموز زمن جديد، لعالم جديد، لإنسان متحرر جديد، في هذا البلد الملعون.

أتطلع إلى أن يبنى يوماً ما يمثّل ذلك السجن، في المكان نفسه، ومن المواد نفسها، وبالهندسة نفسها. ليس السجن نفسه، لكن شيئا يذكر به ويستعير كثيراً من عناصره. وأن نجمع فيه ما كتب عن السجن وغيره، بالعربية وغيرها، وما صور عن السجون، سجوننا وسجون غيرنا. أن يكون متحفاً عالمياً للسجون وتجارب السجن، وأن نشيد فيه نصب يكرم عذابات الضحايا ويسترجع أسماءهم وصورهم كلها.

في هذا ما يمكن أن يجعل ن تدمر رمزاً لسياسة جديدة، سياسة حرية وتحرر.

اليوم، يبدو هذا بعيداً. لكن لا سبب يدعو إلى خسارة حلم. لا نكسب واقعاً حين نخسر حلماً.

كافة المنشورات

كيف تستفيد داعش من حظر دخول السوريين 

​ياسين الحاج صالح –  نيويورك تايمز 

أراد بعض أصدقائي الأمريكيين أن أقوم بزيارة إلى الولايات المتحدة في الصيف للتحدث عن كتابي الذي أوشك على الصدور، والمتضمن لمقالاتي عن سوريا والثورة السورية.
جعلني اقتراح السفر إلى الولايات المتحدة قلقاً وغير مستقر. لقد سمعت الكثير عن  قصص السوريين التي تتعلق باستجوابهم في المطارات الأمريكية. ولم أكن متأكداً من أنه سيكون بمقدوري الحصول على وثائق سفر وتأشيرة أمريكية على أي حال بسبب نشاطي السياسي، وباعتباري لا أملك جواز سفر، ومع ذلك، وبعد أن وقع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً، يقضي بالحظر حتى على السوريين الذين لديهم جوازات سفر سارية المفعول وتأشيرات من الولايات المتحدة، لذلك أعرف أنه ليس باستطاعتي زيارة أصدقائي الأمريكيين في أي وقت قريب.
يبدو أن قرار السيد ترامب الذي اعتبر السوريين خطراً وغير مرغوب بهم مشابهاً تماماً لطريقة دكتاتورنا الرئيس بشار الأسد، في طريقة تعامله معي ومع أبناء بلدي. ليس لدي جواز سفر. وبصراحة رفض نظام الأسد منحي جواز سفر لأني كاتب عارضت والده وعارضته أيضاً. في عام 1980 ، كنت طالباً في كلية الطب في جامعة حلب وكان عمري حينها 19 عاماً، عندما انضممت إلى الاحتجاجات ضد نظام حافظ الأسد. وتم سجني مع مئات من الطلاب اليساريين والناشطين، وأمضيت 16 عاماً في السجن.

بعد إطلاق سراحي في عام 1996 ، عُدّت إلى حلب وإلى دراسة الطب، وبعد تخرجي سنة 2000 ، قررت أن لا أمارس مهنة الطب، بعدها انتقلت إلى دمشق وعملت ككاتب. في مارس من عام 2011  انتفض السوريون ضد نظام بشار الأسد، عندها قررت أن أكتب من دون أي رقابة  ذاتية في دعم الثورة. كانت ضريبة الكتابة مع الحرية كبيرة اضطررت لمغادرة بيتي في دمشق، والتخفي في أماكن متعددة في أنحاء البلاد، وأخيراً كان سعيي للجوء إلى تركيا لأعيش في الخارج من دون جواز سفر أو وثائق سفر، وهكذا عليك أن تعيش وأن تعرف أن حركتك محدودة في عالم البيروقراطية العسكرية.
يأتي الازدراء الدولي للاجئين السوريين متقاطعاً مع أسلوب السيد الأسد في أهدافه ونواياه المشؤومة، لأن معظم السوريين لم يصدر لهم جوازات سفر، ويعتبر نظام الأسد أن جوازات السفر هي أدوات سياسية وتأديبية.
وبالنسبة للسوريين، فإن قرار السيد ترامب هو مجرد قرار يدفع  للتطرف وهي عملية مستمرة منذ سنوات. أما ما يخص وضع اللاجئين، والفئات المحرومة بشكل عام، سيكون الوضع أسوأ في كل مكان لجيل كامل، وتمثل سوريا مثالاً ساطعاً على الفشل العالمي الأكبر.
كان للأمر التنفيذي للسيد ترامب بمنع السوريين ومواطني ستة بلدان أخرى من بين أعماله المبكرة في البيت الأبيض، والكثير من الأهداف في الأسبوع الأول من حكمه – تمهيد الطريق لبناء جدار على حدود المكسيك، ووقف التمويل الفيدرالي للأبحاث البيئية وبرامج الإجهاض – التي استهدفت الفئات الضعيفة والفقيرة، وهذا يكشف الكثير عن وجهة نظر إدارته السياسية والاجتماعية.

يحمل مرسوم السيد ترامب بمنع اللاجئين السوريين والزوار من بلدان فيها أغلبية مسلمة أخرى تأثيرات جانبية خطيرة: إنه يطبع العلاقة مع مجرمي الحرب مثل السيد الأسد، والدكتاتوريين مثل عبد الفتاح السيسي في مصر، ويساعد كل من الدولة الإسلامية والقاعدة. وبعد هجمات 11/09/2001 ، أصبح الحرب على الإرهاب وتهديد الميليشيات الإسلامية مركزياً في طريقة نظرة الولايات المتحدة للعالم والتعامل معه. وقد استثمرت الأنظمة المستبدة هذا الخوف الأمريكي من التشدد الإسلامي ونقلت العنف الوحشي ضد السكان المعارضين من مختلف الانتماءات السياسية والدينية ووسمتهم بالجهاديين.
وتستخدم الشبكات الإرهابية مثل القاعدة والدولة الإسلامية الأفعال التمييزية مثل حظر السيد ترامب، حيث تصور الغرب معادياً للمسلم، وبالتالي يُنصّبون أنفسهم كمدافعين عن العالم الإسلامي، وهم يزدهرون في عالم الكراهية والخوف والتراجع.
ووسط الكثير من المسلمين، وبصراحة، يبدو أن الأمر التنفيذي للسيد ترامب يتم النظر إليه كفوبيا إسلامية وكتشجيع على الانقسامات الطائفية في كل من سوريا والمنطقة، لكن يبدو أنها سمات جديدة للسياسات اﻷمريكية والغربية في الشرق اﻷوسط.
وكوني سورياً، بمستطاعي أن أذكر سابقة مُخزية لعدم مباﻻة السيد ترامب حيال معاناة اللاجئين. في ٢١\٠٨\٢٠١٣، عندما شن نظام اﻷسد هجومه اﻷكبر باﻷسلحة الكيمياوية، واستخدم غاز السارين ضد منطقة الغوطة المحاصرة والواقعة شرقي دمشق، حيث قتل أكثر من ١٤٠٠ شخص، من بينهم ٤٢٦ طفلاً. في أواسط سبتمبر ٢٠١٣، اتفقت كل من الولايات المتحدة وروسيا على صفقة تتعلق باﻷسلحة الكيمياوية السورية، وبموجب هذه الصفقة انضم السيد اﻷسد إلى اتفاقية حظر اﻷسلحة الكيمياوية، بعد أن قدم أسلحته الكيمياوية (باستثناء غاز الكلور الذي لم يُدرج ضمن الصفقة)، وفي مقابل هذا أُعفي الأسد من أي عقاب بسبب استخدامه للأسلحة الكيمياوية وقد ضمنت الصفقة بقاءه.
وبكل معنى الكلمة، فقد استنتج السيد اﻷسد أن بإمكانه المضي بقتل المتمردين بكل أنواع اﻷسلحة باستثناء اﻷسلحة الكيمياوية. واختار الرئيس باراك أوباما أن ﻻ يفرض منطقة حظر طيران، لذلك استمر اﻷسد في إلقاء البراميل المتفجرة على البيوت والمدارس والمستشفيات في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. ولم يفعل الرئيس أوباما شيئاً هاماً حيال مبادرة اﻻتفاق بهدف حماية السوريين الثائرين.

يمكننا القول إن صفقة اﻷسلحة الكيمياوية كانت هدية للمجموعات المتطرفة مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية، ﻷنها عززت مصداقية خطابهم العدمي وبأن العالم يقف ضدنا وأن هؤﻻء الذين يسعون من أجل العدالة للمسلمين في النظام العالمي الغربي مضللون، وحتى وكلاء للصليبين.
وجاء فرار الملايين السوريين إلى دول الجوار وأوربا بكثافة شديدة بعد اتفاقية اﻷسلحة الكيمياوية، التي وجهت ضربة قوية ﻵمالنا من أجل التغيير السياسي. بدأ نظام اﻷسد في ٢٠١٤  هجمات عسكرية عدوانية على العديد من المدن، وقد أجبر التطهير العرقي مئات اﻵﻻف على الفرار من بيوتهم. وكذلك كثف النظام من هجماته بالبراميل المتفجرة على المناطق السكنية. لذلك فإن أزمة اللاجئين السوريين ولدت في عامي٢٠١٤- ٢٠١٥  من اتفاق اﻷسلحة الكيمياوية في عام ٢٠١٣ .
قد يكون السيدان أوباما وترامب شخصيتين مختلفتين جداً، لكن حتى اﻵن، تبدو إدارة السيد ترامب مجرد استمرار لموقف إدارة أوباما تجاه سوريا والشرق اﻷوسط.
ولما يقارب من نصف قرن، بقيت شعوب الشرق اﻷوسط محرومة من الحريات السياسية، واﻷمن اﻻقتصادي واُضطهدت من قبل المجالس العسكرية العدوانية مثل نظام اﻷسد. إذا شعرت شريحة من اﻷمريكيين بتخلي مؤسساتهم السياسية عنهم، وشعرت أن أمنها اﻻقتصادي ينزلق بعيداً، لذلك نراها تنتخب السيد ترامب، لهذا نسأل، لماذا سيكون مفاجئاً لها أن الشرق اﻷوسط سيؤدي إلى بروز الدولة اﻻسلامية والقاعدة!

ووفقا للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من أربعة ملايين ﻻجيء سوري في كل من: تركيا، لبنان، الأردن، مصر، والعراق. وحوالي ۳‚٦مليون نزحوا داخلياً داخل سوريا. هؤﻻء جميعاً يساوون ١١ مليون سوري فقدوا منازلهم، وقد وافقت الولايات المتحدة على استقبال حوالي  10.000 لاجيء فقط.
وبدوره أيضاً، سيقوي حظر السيد ترامب الدولة الإسلامية والقاعدة، كما أنه يخلق للناس عالماً يسوده أمل ضئيل، وللمسلمين على وجه الخصوص، حيث يتم التمييز ضدهم.
من ناحية أخرى، ينظر السيد ترامب إلى “المناطق الآمنة” في سوريا للاجئين السوريين، لكن وبالنظر لما تمثله هذه النظرة وعلاقته مع الرئيس الروسي بوتين حليف اﻷسد، لا شيء يشجعنا على اﻻهتمام باﻷمر كمحاولة لحماية الناس المُعرضين للخطر من قبل نظام اﻷسد أو من الدولة الإسلامية ومن المنظمات الإرهابية اﻷخرى. وأخشى أن تكون “المناطق اﻵمنة” التي يتحدث عنها السيد ترامب وببساطة  كآلية لحصارنا وعزلنا. لهذا يجب على السيد ترامب أن يدرك أننا نعيش مثل هذا النظام أو الترتيب في مكان الحجر الصحي للسوريين: في سوريا اﻷسد.

المصدر: النيويورك تايمز

ترجمة السوري الجديد

كافة المنشورات

اليوم المجلل بالعار ورعاته وعالمه ياسين الحاج صالح 

في ذكرى المذبحة الكيماوية قبل ثلاث سنوات، تتكلم هذه المقالة على كيماويي المذبحة، وعلى كيماويي الصفقة، وتظهر التماثل بين الكيماويين، والصفة السورية لعالم اليوم.

لم يكد ينقضي أسبوعان على سقوط 1466 شهيداً في المذبحة الكيماوية فجر يوم 21 آب 2013، حتى وقعت مذبحة أخرى مهولة، ورميت جثث ضحاياها الثلاث إلى جانب مقابر الشهداء الجماعية لتُسمِّم حياة السوريين وفرص بلدهم في الحياة، وتُسمِّم العالم كله اليوم: جثة الحقيقة وجثة العدالة وجثة السياسة.

 

جثة الحقيقة

كانت البداية قتل الحقيقة ودفنها. النظام أنكر فعلته، رغم احتفاء الموالين له بالمذبحة، وتوزيعهم البقلاوة ابتهاجاً. بعض عُتاة الفاشيين من السوريين البيض تكلموا عن بخِّ الغوطة بالبيفباف (مبيد صراصير). أما مستشارة بشار، المناضلة الطائفية الباسلة بثينة شعبان، فلم تكتف بأن «الإرهابيين» (كل من يصادف أنه يقاوم الدولة الأسدية) هم من استخدموا السلاح الكيماوي، بل إن الضحايا هم أطفال من الساحل، وقصدها دون جدال أنهم علويون، خُطفوا من هناك وقتلوا بالغازات السامة في الغوطة، من أجل اتهام النظام. وكانت الواقعة الأغرب أن الأمم المتحدة استجابت للطلب الروسي بعدم ذكر الجهة الجانية في تقرير بعثة دولية حققت في… لا، ليس المذبحة، بل في استخدام السلاح الكيماوي.

كان اقتصار ولاية البعثة الدولية على تأكيد استخدام السلاح الكيماوي، كأن الأمر كان بحاجة إلى إثبات، واقعة خارقة في خِسِّتها، لا يزيدها إلا خسةً أن الدولة التي أصرت على هذا التقييد، روسيا، كانت ولا تزال تنفي المسؤولية عن الأسديين. وتكشفُ الواقعةُ التي جرت بإشراف الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى أن العالم فاسد من رأسه، وأننا حيال نظام دولي أراد بكل وضوح أن يكذب على نفسه وعلى المليارات السبعة في الكوكب من أجل أن يرفع الحرج الأخلاقي عنه في حماية قاتل عام نادر المثال.

وأسهم صنف من المعارضين، في هيئة التنسيق، في الترويج الإجرامي لمسؤولية مقاومي الدولة الأسدية، وتطوع صالح مسلم، وكان في الهيئة نفسها، لاتهام معارضي الدولة الأسدية بقتل أنفسهم. ولم يراجع أي من شهود الزور هؤلاء موقفهم خلال ثلاث سنوات.

وانضم صنف من معارضي المؤسسة الغربية إلى الجوقة، وأمكن لسايمور هيرش أن يكتب تحقيقاً مطولاً في LRB (مجلة لندن لمراجعة الكتب) عن ضلوع تركيا و«جبهة النصرة» في استخدام السلاح الكمياوي.

ولم يُسأل أحدٌ أهالي الغوطة، وهي منطقة عامرة بالسكان وقتها واليوم، ولم يحاول أحدٌ الاتصال بهم للسؤال عما إذا كانوا يشتبهون بمسؤولية أحدٍ غير النظام، أو ما إذا كانوا قد لاحظوا تحركات مريبة قبيل المذبحة. لم يكن ذلك سهواً عارضاً أو حتى تقصيراً مهنياً غير مقبول، إنه متأصل في مسلك راسخ، ينكر على المحليين تمثيل أنفسهم وقول الحق في شؤون حياتهم وموتهم. الصحفي أو الباحث الغربي الذي يجيد تغليف الكلام الركيك أو الكاذب بأغلفة لمّاعة، والعديم الحس غالباً، هو مالك الكلام وسيّده، وليس الضحايا وشركاهم من مواطنيهم. وإنما لذلك هذا المسلك مستمر، والنظام المعلوماتي الدولي شريك في الجريمة.

لقد أسهمت الهيئات والقوى المذكورة كلها في اغتيال الحقيقة، وفي رمي جثتها إلى جانب المقابر الجماعية لشهداء المذبحة.

في اليوم التالي للمذبحة نشر «مركز توثيق الانتهاكات»، بإشراف المناضلة الفذة رزان زيتونة ومساعدة ناشطين على الأرض،تقريراً وافياً عن الجريمة، أتبعه بعد أيام قليلة بتقرير آخر، وكان سبق التقريرين أكثر من تقرير للمركز عن هجمات بالغازات السامة. ولم يكن لدى أي كان ذرة شك في أن النظام هو المرتكب. ومع رزان، كانت هناك سميرة الخليل أيضاً، المناضلة والمعتقلة السابقة، وهي دونت ونشرت مشاهداتها اليومية في وقته على صفحتها على فيسبوك، وإشاراتها لا ترتاب قط في مسؤولية غير الدولة الأسدية.

ولعل شهادة رزان وسميرة من أرض المذبحة تكون سببَ أو أحد أسبابِ تغييبهن بعد ثلاثة أشهر من الصفقة الكمياوية، وعلى يد تشكيل سلفي موالٍ للسعودية، رفّع نفسه بعد المذبحة بشهر واحد إلى رتبة جيش. رزان تلقت تهديداً بالقتل بعد المذبحة بشهر ونيف من شخص معروف بالاسم وبتحريض من شخص معروف بالاسم (الشرعي الحالي لـ «جيش الإسلام»)، وسميرة جرى التحريض ضدها من قبل أشخاص معروفين بالاسم، وإن لم تكن كل روابطهم معروفة لنا بعد.

 

جثة العدالة


ليس فقط لم تُعاقب دولة الأسديين على جريمتها، بل هي أُعطيت رخصة للاستمرار بالقتل بأسلحتها الأخرى، أي الاستمرار في معاقبة السورين الثائرين عليها، وبكفالة دولية تامة لحصانتها هذه المرة. كانت البراميل استمراراً للسلاح الكيماوي، بأداة قتل أشد فتكاً وأشد تدميراً للعمران والبيئة الحية.

ولم تكن مشكلة كبار الفاعلين الدوليين في أي وقت المذبحة بحد ذاتها، بل السلاح الذي استخدم في قتل الناس. بعبارة أخرى، لم تكن المشكلة انتهاك حق السوريين في الحياة، بل انتهاك قانون سنَّه الأقوياء في وقت سابق بغرض حماية بعضهم من بعضهم. أي حماية الأقوياء.

ويكثف سلوك القوى الكبرى والمنظمات الدولية حيال المذبحة منهجاً مقرراً سابقاً في التعامل مع قضايانا، ومنها القضية السورية بعد القضية الفلسطينية، منهجاً يُهمش قضايا العدالة والحرية والديموقراطية، ويُبطنه إنكار الولاية السياسية والجدارة الأخلاقية للسوريين والفلسطيينين وغيرهم. وينحاز هذا المنهج المتأصل إلى أطقم الحكم المنضبطة أمام الأقوياء، والقادرة على ضبط الضعفاء الواقعين تحت حكمها. هنا أيضاً ليس هناك سهو أو سوء تقدير، الأمر ينبثق من صميم بنى السيطرة الدولية في إقليم «الشرق الأوسط»، وما يتصل بها من تمثيلات لسكانه، تردهم إلى «الثقافة» أو «الذهنيات»، أو باختصار إلى «الإسلام». وهو منهج يقود أصحابه إلى الانحياز إلى «الدول» ضد أصحاب الرؤوس المعطوبة لعموم المحكومين، وإن مع الحرص على تجريد تلك الدول من سيادتها وقدرتها على لعب دور مستقل في الساحة الدولية مقابل حماية حكمها.

وبما أن الصفقة جرت بتوافق على مستوى القمة الدولية وتسليم من الأمم المتحدة، فالاستخلاص المنطقي من ذلك هو، بكل بساطة، أنه لا عدالة في العالم الذي تديره هذه القمة، وأن من لا يستطيع أن يأخذ حقه بذراعه سيُداس ويُسحق، ليس دون أن يكون له نصير فقط، وإنما حتى دون وصف حالته أو الشهادة على ما يجري له.

تركت الصفقة الكيماوية السوريين مكشوفين تماماً، بل مستحقين للمزيد من المذابح والتدمير، بفعل الاستحواذ المفرط لداعش على الأذهان، وقد تعبت على خلقه وسائل الإعلام الغربية وعملت كالكورس على تغذيته ليل نهار، مزيحة إلى الظلام ما يجري للسوريين على يد الأسديين وأسيادهم. ولم تهدأ تلك الحملة إلا منذ شهور، ربما مع إدراكها أنها كانت تقوم بدعاية مجانية لكيان «دولة الإسلام» الاستعماري الفاشي. فإذا صح هذا التقدير، ويحتاج الأمر إلى دراسة مدققة، فهو يعطي فكرة بالغة السوء عن كبريات المؤسسات الإعلامية في الغرب، وعن حال الديموقراطية أيضاً، في الغرب قبل غيره. ويظهر هذا المسلك ارتباط اغتيال العدالة باغتيال الحقيقة، أو وجوب التخلص من الرواية الأمينة للحقيقة لتسهيل الإجهاز على العدالة. وهذا ارتباط نعلمه جيداً في سورية. كان قتل الحقيقة، ونشر الأكاذيب، مدخلَ البعثيين، والأسديين بخاصة، إلى حرمان السوريين من العدالة، ومن السياسة.

 

جثة السياسة

كانت المذبحة الكيماوية والغضب الدولي الذي أعقبها فرصة لحل سياسي أقرب إلى العدالة في سورية، يفرض انعطافاً جوهرياً في تكوين النظام السياسي، بما يتيح بناء أكثرية سورية جديدة، ويستجيب لتطلعات السوريين التي كانوا عبروا عنها طوال نحو عامين ونصف وقتها. يستجيب أيضاً للغرائز السياسية للقوى النافذة التي رفضت دعم المقاومين السوريين عسكرياً لأنها تؤيد… «الحل السياسي».

كان المناخ العالمي مهيئاً بأنسب صورة للدفع نحو تغير أساسي في سورية، لكن لم يكن هذا ما يريده الروس، ولا الأميركيون، ولا الإسرائيليون الذي نزل من طرفهم الوحي الخاص بالصفقة الكيماوية. ما جرى طوال ثلاث سنوات منذ تلك الأسابيع المخزية هو العكس، هو توفير كل الشروط الملائمة للحيلولة دون قبول الأسديين وأسيادهم بحل سياسي ينهي المحنة الوطنية المتمادية.

ويكفي أن نلاحظ أن الصفقة كانت حلاً لمشكلة استخدام السلاح الكيماوي، وليس اعتراضاً على المذبحة التي استُخدم فيها السلاح، أو حلاً لمشكلة قتل السوريين الذين كان سقط منهم حتى ذلك الحين نحو 100 ألف، يكفي أن نلاحظ ذلك حتى نرى أن المشكلة التي حُلَّت تعني إسرائيل وتعني أميركا، وتعني روسيا، لكنها ليست بحالٍ مشكلة السوريين.

كانت الصفقة الكيماوية التي أنكرت مطالب السوريين السياسية وكفاحهم، استئنافاً لمنهج الدولة الأسدية في تجريد السوريين من السياسية وإنكار حقوقهم في بلدهم. من وجهة نظر السوري العام، المتطلع إلى العدالة والكرامة في بلده، ليس هناك فرق بين الأطراف التي رتبت الصفقة وبين الدولة الأسدية. ما قاله لنا كيماويو الصفقة هو ذاته ما كان قاله كيماويو المذبحة: أنتم خارج السياسة، ليس لكم أن تمتلكوا السياسة؛ أنتم تواجهون بالحرب فقط!

وعلى هذا النحو رُميَت جثة السياسة فوق جثتي الحقيقة والعدالة، ما سهل للدولة الأسدية وشركاها الاستمرار في مشروع القتل وصولاً إلى نحو نصف مليون من الضحايا اليوم، ومع أفق مفتوح للقتل لا يبدو مقبلاً على انطواء قريب.

وليست مؤتمرات جنيف المتتابعة غير استمرار للصفقة الكيماوية، إن من حيث أن راعيي المؤتمر هما راعيي الصفقة المشينة نفسها، أو من حيث أنهما لا يمتنعان عن أي ضغط على الدولة الأسدية فحسب، بل إن أحد الراعيين، روسيا، هو قائد جهدها الحربي اليوم، ومن حيث أن النظام ورعاته لم يقولوا يوماً أنهم مستعدون لإعطاء الثائرين على النظام أي شيء على الإطلاق، أو تحقيق أدنى تقدم نحو طي صفحة النظام الأقلي، أو من حيث التأكيد على انسحاب القوات الأجنبية الكامل من الأراضي السورية كهدف لـ «عملية السلام» إلى جانب التغير السياسي، أو مجرد التعهد بتوصيل الطعام والدواء لسكان المناطق المحاصرة، دع عنك فك الحصار، ودع عنك إخلاء السجون الأسدية، التي لا نظير لها في عالم اليوم، من نزلائها المناكيد.

عملية جنيف ضمن هذه الشروط جهد دولي، يراد منه أن يدمر السوريون قضيتهم بأيديهم بعد أن جرى تدمير بلدهم وحيوات ما لا يحصى منهم بأيدي الأسديين وأسيادهم ورعاتهم.

 

عار العالم عارياً

وما يذهل في قصة القتل المعلن هذه هو الصفاقة الخارقة في كل حال. صفاقة في الكذب والتضليل وفي وأد الحقيقة، صفاقة في حماية القاتل العام وفي اغتيال العدالة، وصفاقة في حماية الحرب وضمان استمرارها، وتسهيل عمل المعتدين الإيرانيين والروس وأتباعهم، أي في قتل السياسة. عالم اليوم عارٍ جداً في عاره.

لكل ما سبق، كانت الصفقة الكيماوية الأميركية الروسية مذبحة أشد هولاً حتى من المذبحة الكيماوية، لأن الحقيقة والعدالة والسياسة هي ما تحمي حياة الناس، فإذا هي قتلت لم يبق لحياة الناس أي قيمة أو حرمة، وصار قتلهم مباحاً، وربما مرغوباً. وهو ما تحقق بالفعل على نطاق واسع في بلدنا طوال السنوات الثلاث الماضية، وبرعاية عالمية بعد أن كان يجري طوال أكثر من أربعين عاماً برعاية أقل عالمية.

وإنما لذلك، منذ ذلك اليوم المشين لم يعد الأمر يتعلق بسورية، بل بالعالم. العالم الذي يحمل ثلاث جثث ونصف مليون جثة في روحه هو عالم مسموم، نرى أعراض تسممه في صعود تيارات يمينية وفاشية، وفي تآكل الديموقراطية في كل مكان، وفي تدهور تيارات التحرر والتجدد والأمل. القضية السورية قضية عالمية أكثر من أي قضية في عالم اليوم، وهي مؤهلة لأن تكون مفصلاً في مسارات العالم السياسية والفكرية والأخلاقية في العقود المقبلة.

ولأن العالم قضيتنا، يتعين علينا نحن السوريون أن نعمل بدأب على إظهار سوريّة العالم، وعالمية قضيتنا السورية. وأول ما نفعله من أجل ذلك هو أن نجعل المذبحة الكيماوية، والصفقة الكيماوية التي تلتها، وقائع سورية وعالمية لا تُنسى، وأن نجلل بالعار أبطالها وشهود الزور عليها، في سورية وفي العالم.

كافة المنشورات

البي بي سي سقوط مهني وأخلاقي في تغطيتها لأخبار سوريا

في ظلّ كلّ الدماء والمجازر التي يرتكبها النظام السوري في حلب، نشرت قناة “بي بي سي” تقريراً مصوّراً في نشرتها الإخباريّة الصباحيّة أمس السبت، تضمّن مشاهد من مناطق المعارضة في حلب، على أنّها مناطق خاضعة لسيطرة النظام.

بثّ التقرير لم يمرّ عادياً وسط كل مشاهد المجازر التي يتداولها ناشطون حول العالم لتسليط الضوء على ما يرتكبه النظام من جرائم في حقّ الحجر والبشر، فاعتبر مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أنّ خطأ “بي بي سي” المهنيّ جسيم، خصوصاً أنّه لم يكن الأول خلال التغطية المستمرة للقنوات الإخبارية لما يحصل في سورية. وأغضب التقرير عدداً كبيراً من رواد مواقع التواصل على الرغم من توضيح “بي بي سي” لتفاصيل ما حصل عبر حسابها على “تويتر”.

وكتبت القناة على حسابها: “تصحيح: تضمنت عناوين نشرة أخبار السابعة صباحا لتلفزيون بي بي سي لقطات لمناطق المعارضة في حلب على أنها تابعة للحكومة. نعتذر عن هذا الخطأ”.

image

المصدر موقع العربي والفيس بوك